حجم الخط:

هل سيخطف موسى الصدر ثانية؟

WhatsApp Image 2025-08-25 at 10.03.54 PM.jpeg

اليوم هو الخامس والعشرون من شهر آب سنة 2025 وتذهب بي الذاكرة إلى نفس التاريخ من ظهيرة يوم الجمعة 25 من شهر آب سنة 1978 الموافق للعشرين من شهر رمضان سنة 1398 وفي التاريخين حدثان مفصليان في تاريخنا المعاصر.

ثانيهما: مغادرة الإمام السيد موسى الصدر مطار بيروت على متن طائرة ليبية متوجها الى طرابلس الغرب في ليبيا تلبية لدعوة رسمية من معمر القذافي... لم يعد ولم يتصل بأحد كعادته حتى اليوم، وبعد أيام في 31 آب تكون ذكرى مشاهدته لآخر مرة في ليبيا.. فصار ذكرى للغياب، أي انه مضى على ذاك التاريخ 47 عاما.

أستذكر فقرة من أنشودة كنا نسمعها " حلم صار قضية"

اما اليوم فالقضية صارت حلما. وبين ذاك التاريخ وتاريخ اليوم قضايا وحكايا وقصص لا تنتهي، فهل قضايانا صارت حلما، أم لا زلنا نحلم بالقضية..؟

استوقفني اليوم خبر، وأعادني الى ذاك الحلم الضائع الذي صار هو القضية.

خبر تناقلته وسائل الاعلام عما يجري التحضير له في أروقة صناع القرار ( في هذا العالم الذي يعيش على أوهام كذبة كبيرة صنعوها بعد الحروب العالمية المدمرة في القرن الماضي، أسموها القانون الدولي والسلم العالمي وحقوق الانسان، وصدقناها يتم التحضير) لاجتماع يعقده مجلس الأمن الدولي اليوم لاتخاذ قرار حول وجود قوات الطوارئ الدولية في جنوب لبنان والتي أتت لتنفيذ القرار 425، بعد مطالبة اميركا تأييدا (لإسرائيل) لطلبها إلغاء عمل هذه القوات وضرورة سحبها، وبين من يطالب بالابقاء عليها من خلال التمديد لعملها، استجابة لطلب لبنان ويؤيده أربعة عشر عضوا في مجلس الامن الدولي. فكيف ستسير الامور اليوم؟

هل سيتم اتخاذ قرار؟ وما هو؟ أم سيتم تأخير اتخاذ القرار لأيام؟ وما الذي سيتخذ؟ وما هي الصيغة التي ستعتمد؟ هل سيتم التمديد لمرة أخيرة؟ لأشهر ؟ أم لسنة؟ أم لسنتين؟ أم هل ستضاف شروط على ذلك؟ ساعات تفصلنا عن النتيجة ...

ثم ماذا بعد؟

*2*

للمقارنة بين حدثي التاريخين وفهم العلاقة الحقيقية ومدى الترابط بينهما، كان عليّ أن أعود بالذاكرة إلى تلك الحقبة الزمنية التي عايشت تفاصيلها، ودونت بعض مذكراتها،وان استعرض الاحداث التاريخية التي رافقت تلك المرحلة وما كان يجري من أحداث، عندها نستطيع أن نفهم ونعرف حقيقة ما يحصل في هذه الأيام.
...
والسؤال هنا: ما علاقة موسى الصدر في موضوع التمديد لقوات الطوارئ وهو أمر مستجد؟ وما ربطه بما نعيشه اليوم؟ من سفره، وإخفاءه الى حدث و مسعى اليوم؟

ولمعرفة الجواب أقول بداية: كثيرون في أيامنا وخاصة من الأجيال الجديدة لا يعرفون عن موسى الصدر الا صورته الرمزية ومكانته القلبية التي ينجذبون نحوها بشكل او بآخر لسبب أو لآخر، اما حقيقة ما كان يمثله موسى الصدر فله كلام.. لذا و قبل ان أجيب على أصل السؤال كان لا بد و أن أسلط الضوء على موقعية السيد موسى الصدر ومدى تأثيره في تلك المرحلة على الصعيد المحلي والإقليمي ودورة فيما يتعلق بلبنان وبالطائفة الشيعية عموما، وبالتالي على الاحداث التي كانت تجري في المنطقة؟ ومنها الموضوع المهم، موضوع اليوم، وهو موضوع قوات الطوارئ الدولية، وماذا يعني القرار الجديد لمواقف موسى الصدر؟

واستطرادا اطرح سؤالا وأنا في معرض الجواب، هل نستطيع ان نتعرف حينئذ على بعض أسباب إخفاءه المتمادي؟

*3*

كانت لموسى الصدر موقعية ينظر اليه الغرب من خلالها، وكانت له مواقف و رؤاً حول كافة القضايا الإقليمية والدولية، وخاصة ما له تأثير على منطقة الشرق الأوسط، وأتذكر انه بقي وخلال ثلاث أسابيع في العام 1977يتحدث لنا في صف الكوادر عن آثار الانقلاب العسكري الذي حصل يومها في أفغانستان واطاح بالملكية وأتى بالحكم الجمهوري وما تبعه من دخول للاتحاد السوفييتي الى أفغانستان، وعن الرغبةبالوصول الى المياه الدافئة...الخ

وبالطبع ستكون لمواقفه في لبنان موقعية أساسية، وأثر على الصعيد المحلي والعربي، وسأبدا ببيان موقعيته من منظار دولي مكتفيا بنقل فقرات من مقال نشر بتاريخ 7 تشرين الأول سنة 1977 في مجلة Events اللندنية وعنوان الغلاف:

الإمام الصدر مسيح لكل الفصول، في تفاصيل المقال يتناول الكاتب الأجنبي عددا من الأمور والقضايا التي تتعلق بتاريخ الشيعة في لبنان ومعاناتهم، وموقعية الصدر ومدى تأثيره على الصعيد الوطني، وعلى صعيد الطائفة الشيعية، (والتي تحتاج كل مفردة منها الى البحث والتحليل والدراسة والتأمل)، ومما جاء في المقال:

" موسى الصدر مثال الرجل الديني في التاريخ المعاصر للشرق الأوسط الذي توصل إلى المرتبة السياسية والقيادية في بلده...

إن عدد الشيعة في لبنان يقارب 900,000 نسمة وهي أكبر طائفة في لبنان مع أن الإحصائيات الرسمية جعلتهم الطائفة الثالثة بعد الموارنة والسنة...

الشيعة في لبنان واجهوا اضطهادا أكثر من أي بلد عربي، عانوا النزوح والتشريد.
...
معظم جبل لبنان كان شيعيا من منطقة الظنية التي يقطنها السنيون الآن إلى كسروان (الان موارنة) إلى البترون والكورة إلى المتن والشوف (الآن دروز) ...

وحتى اليوم إن جبل لبنان لا يزال يحمل آثارا شيعية من جوامع وقرى وأماكن تحمل أسماء شيعية. إن أخذ المناطق الشيعية بواسط الموارنة، السنة، الدروز كان سببه عدم اهتمام الحاكم آنذاك..." ثم يكمل كاتب المقال كلامه بالقول:

"بعد الحرب العالمية الأولى أخذ الانتداب الفرنسي مكان الدولة العثمانية التي كانت معادية للشيعة في لبنان وبقي الشيعة في لبنان في عهد الانتداب الفرنسي يقاسون لأن فرنسا اتبعت خطة جعل لبنان بلدا مسيحيا كما فعلت بريطانيا بجعل فلسطين بلدا لليهود..." ثم يقول: "عندما حصل لبنان على استقلاله بعد الحرب العالمية الثانية،

بقي أبناء الطائفة الشيعية يدفعون الثمن.

لقد دفعوا الثمن الجغرافي كونهم يقطنون المنطقة الحدودية في الجنوب التي لا تجعلهم في حالتها الراهنة في حالة استقرار وطمأنينة،

تاريخيا إن لبنان كان له المشاكل مع سوريا وإسرائيل، ودائما كان الشيعة يدفعون الثمن لهذه الخلافات وخاصة للمشكلة الفلسطينية الإسرائيلية،

الفلسطينيون اختاروا جنوب لبنان مركزا لعملياتهم ضد إسرائيل" ويختم الكاتب مقاله بالقول: "هناك تحالف غير مكتوب بين الأثرياء الشيعة (المغتربون) والفقراء منهم، والحاجة إلى رجل يقود هذين النقيضين في تحالفهما...
...
الرجل الذي يحمل كل هذه المواصفات هو الإمام موسى الصدر الذي رجع من إيران إلى جنوب لبنان سنة 1959... ووجد مكانته من خلال ذكائه الفريد، عينه تخترق، جميل، رجل مهيب، صوته عميق ومسيطر، قادر على الوصول إلى قلوب وعقول مستمعيه، وبسرعة أصبح موسى الصدر رمز الشعب". انتهى المقال.

هذا نموذج من نظرة وتقييم الإعلام الدولي لشخصية موسى الصدر ودوره .

*4*

واما على الصعيد اللبناني والعربي فقد كان موقفه واضحا بالنسبة لرفض الحرب داخل لبنان، وكان انتقاده موجها لقوى اليمين ذو الغالبية المسيحية واليسار ذو الغالبية الاسلامية على حد سواء لانخراطهما في الحرب الداخلية، حيث كان كل طرف يسعى لتحقيق مكاسب خاصة وفق مشاريعه وارتباطاته الإقليمية والدولية، وفي نفس الوقت كانت انتقاداته للدولة اللبنانية بسبب اهمالها وتقاعسها عن واجبها بأداء دورها في حماية الوطن من جهة، وتحقيق العدالة بين المواطنين من جهة أخرى. فكانت دعوته الدائمة وبشتى السبل الى وقف الحرب الداخلية العبثية واللجوء الى الحوار، وفي نفس الوقت كان يعلن رفضه لكل مشاريع التقسيم والتوطين والتبعية، فكان أن صار هدفا للجميع، وكان ابلغ تعبير عن تلك الحالة في تلك اللوحة الفنية الرائعة التي رسمها الشهيد مصطفى جمران غلافا لرزنامة ( تقويم) سنة 1978م (والذي كان مديرا لمؤسسة جبل عامل المهنية في صور وفي نفس الوقت يشغل منصب المسؤول التنظيمي المركزي لحركة المحرومين وجناحها العسكري أفواج المقاومة اللبنانية (امــل) وكنت يومها أشغل موقعية أمانة السر معه..) ولكن الامام الصدر رفض توزيعها لأنه كان يرغب دائما بالتهدئة والحوار خاصةعلى الصعيد الداخلي إذ لم يكن يرى ان هناك أعداء بل خصماء رغم التباين القائم، فعملنا على إزالة تلك الصورة اللوحة من التقويم لتلك السنة..

وكانت مواقفه معلنة وصريحة في الداخل وفي العالم العربي، ففي الوقت الذي كان يدعوا فيه الى اللحمة الوطنية ، كان يدعو العرب لكي يأخذوا دورهم الحقيقي في المنطقة بما فيه مصلحتتهم ومصلحة لبنان والتي هي همه الأساس.

ومن ذلك ما عبر عنه في مقابلة مع مجلة روزاليوسف المصرية نشرت بتاريخ 23 أيار 1977 قال فيها: "إن إسرائيل لها مطامع معروفة في مياه الليطاني وفي الجبال الشاهقة التي تعتبر حدودا دفاعية مفضلة، بالإضافة إلى أن إسرائيل تعتبر وجود لبنان المتجانس والمتعايش تحديا لكيانها، ولذلك فإنها تدفع بالأزمة في اتجاه التفجير الطائفي، وهذا أمر كان ولم يزل متوفرا مع الأسف في لبنان". وقال أيضا منتقدا اليسار واليمين..

"اليسار اللبناني والفلسطيني بالإضافة إلى فئة لبنانية أخرى (ويقصد اليمين) تريد استمرار المعارك تمهيدا لتقسيم لبنان ..." وقال أيضا: "حدث بين هؤلاء وبين الشيعة وبعض المتطرفين من اليسار خلافات وصدامات واشتباكات،
...
إن أبناء الجنوب وأكثرهم من الشيعة يحملون السلاح ويرفضون الزحف اليميني الذي كان يمهد للتعامل بين اللبنانيين وإسرائيل".

فكنا يومها نعيش بين نارين ، نار الداخل ونار الخارج، نار اليمين ونار اليسار، نار الإسرائيليين ونار الفلسطينيين، وهكذا كنا نشيع أحيانا في نفس اليوم شابا قتله الكتائب وآخر قتله الفلسطينون وثالث قتله الاسرائيلون ورابع قتله اليساريون..

*5*

في مطلع العام 1978 استشعر الخطر القريب المحدق بالجنوب فرفع الصوت عاليا محذرا ومنبها، فكان مما قال في خطبة الجمعة بتاريخ 6 من كانون الثاني 1978 في مسجد الصفا بكلية العاملية" أقول لمن يسمعني من المصلين في أقطار العالم ومن المستمعين في كل مكان ... إذا نحن لم نعرف الظروف القاسية التي تمر على وطننا فهناك خطر فناء وطننا لا سمح الله....اخاطب جميع المخلصين في هذا الوطن أن ينتبهوا إلى العواصف التي تهب في هذه المنطقة ... عدونا إسرائيل تشترك في تحريك هذه العواصف لأنها لها يد في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وأوروبا والسوق الأوروبية المشتركة.... إسرائيل تشترك في المؤامرة، لكن نحن لا نقدر أن نشترك في المؤامرة، نريد حفظ رأسنا، نريد المحافظة على وطننا، على كرامتنا، على عزتنا، على طموح أبنائنا، على تاريخنا، كل هذه الأمور تتجسد في هذا الوطن...نحن نعرف ما يدبر للجنوب من مؤامرات ومن أخطار... أنا أرفض مشروع الاستيطان الفلسطيني في لبنان لأنه مشروع بيغن رئيس وزراء العدو...

إخلاصنا لوطننا يتطلب رفض الاستيطان وبسط السيادة اللبنانية على الجنوب ووصول الجيش إلى الحدود وانتقال المهجرين إلى قراهم".

وفي 4 شباط 1978 نشر في جريدة النهار العربي والدولي مقال تحت عنوان:

"الإمام الصادر يطلب من سوريا الضغط على الفلسطينيين لمنع التجاوزات وينبه عرفات تداركا لانفجار الصدام"... وورد في المقال::
...
"وفي اجتماع عقد نهاية الشهر الماضي في دمشق: طلب الإمام الصدر من سوريا بيان موقفها بالنسبة إلى الجنوب لأن الوضع هناك يهدد بانفجار صاعق...

وكان جواب دمشق أن الوضع في الجنوب جزء من وضع المنطقة ككل ..

الصدر استغرب ذلك قائلا: إن في وسع دمشق أن تضغط على الفلسطينيين لمنع التجاوزات... ثم عرض الصدر مشروعا لطلب قوات طوارئ دولية تتمركز على الحدود الجنوبية اللبنانية لمنع الاعتداءات الإسرائيلية المحتملة بحجة وجود المقاومة في مناطق معينة في الجنوب.... مصادر في الحركة الوطنية اللبنانية وصلتها معلومات بأن هناك استعدادات لضربة عسكرية إسرائيلية"...

إذن كان الامام الصدر يفكر بالعمل على استدعاء قوات دولية لحماية الجنوب علها تكون مظلة حماية بعد عجز الدولة وتواطئ القريب والصديق..

في 9 شباط 1978 نشرت مجلة الصياد حوارا صحفيا مع الإمام الصدر ورد في مقدمته: الإمام موسى الصدر يحمل اليوم فوق ظهره صليب الجنوب اللبناني ويرتحل به من بلد إلى آخر ومن مسؤول إلى آخر ومن لجنة إلى أخرى محاولا أن يكسر طوق الجمود الذي فرضته ظروف مبادرة السادات حوله.. فمن الكويت إلى سوريا مرورا بقيادة المقاومة فالمسؤولين اللبنانيين، فالقيادات المحلية الجنوبية والبيروتية "يشلح (يضع)"** سماحة الإمام الجنوب كجبته السوداء فوق كتفيه ويحاول ألا يتعثر**.. التقيناه صباحا متعبا من مواعيد كثيرة وهموم أكثر...

ومما قاله جوابا على بعض الأسئلة في تلك المرحلة من الصراع مع الفلسطينيين في الجنوب: "إن الحل الأمثل هو في عودة الشرعية اللبنانية الكاملة إلى الجنوب فمن مصلحة المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني أن يسهل ويساعد على إتمام هذا الأمر، ذلك لأن القضية الفلسطينية اليوم أصبحت تمر في أدق مراحلها وهي مرحلة التحول".... ثم يقول جوابا عن سؤال حول مشروع ومؤامرة التوطين:
...
"مشروع التوطين ...حلم راسخ في نفس القيادة الإسرائيلية لأنه مشروع تصفية الشعب الفلسطيني وإنهائه كشعب ...إن إسرائيل تحاول أن ترسخ في الأذهان وفي التاريخ ان ارض فلسطين يسكنها شعب واحد وهو الشعب اليهودي.... وما مشروع التوطين في لبنان الا جزء من هذه الخطة..

*6*

في ظل هذه الأجواء وبعد تلك الخطابات والتصريحات والزيارات الى عدد من الدول العربية حيث كان الجنوب همه الاكبر.. فقد توجه يوم 13 شباط عام 1978 الى عدد من الدول الافريقية وكانت له سلسلة من اللقاءات والنشاطات، وكان على اتصال دائم بالمعنيين في لبنان، فكان يتابع بشكل يومي الاتصالات والمساعي الداخلية في لبنان...فقبل أيام من الاجتياح الإسرائيلي نشرت الصحف ما يلي: "بتكليف من الإمام الصدر الموجود في ابيدجان قام وفد من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ضم المحامي نبيه بري، الشيخ محمد يعقوب، الدكتور حسين كنعان بسلسلة لقاءات وزيارات لرؤساء الطوائف الروحية في لبنان والبحث معهم في قضايا الوفاق الوطني، ووضع الجنوب، وإمكان عقد قمة روحية.

واستكملت هذه الزيارات يوم 13 آذار بزيارة هذا الوفد لرئيس الجمهورية فنشرت صحيفة النهار يوم 14 آذار 1978: وزار وفد من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الرئيس اللبناني الياس سركيس وضم الوفد الشيخ محمد يعقوب والدكتور حسين كنعان والمحامي نبيه بري، وكانت هذه الزيارة بعد الزيارات للفعاليات الروحية في محاولة لاكتشاف المداخل الصحيحة التي تساعد على خلق المناخ الملائم لإعادة العافية إلى الجسم اللبناني.... والجدير بالذكر أن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى كان يضع الإمام الصدر في أجواء ونتائج تحركات الوفد عبر الاتصالات الهاتفية وكان الإمام يعطي توجيهاته، وقد تمت كل الاتصالات بناء على تكليف منه".

*7*

وفي ليل 14-15 آذار 1978 وقع المحذور الذي كان يخشاه الامام الصدر ويحذر منه، فعند فجر 15 من آذار سنة 1978 بدأ الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان في عملية عسكرية كبيرة هي الاضخم حتى تاريخه وهنا استقطع فقرات من مذكراتي الشخصية لذاك اليوم: " وقبل الفجر في الساعة 3:15 استيقظت على أصوات قصف الطيران وكان قد بدأ الهجوم الإسرائيلي لاحتلال الجنوب في الساعة الواحدة و30 دقيقة صباحا فلبست ثيابي و ....رتبنا حراسة المؤسسة، وكان المئات من الفلسطينيين قد لجأوا إلى ملاجئ المؤسسة للاحتماء من القصف".
...
وفي اليوم الثاني دونت ما يلي:" واستعرت النيران في الجنوب، قصف الطيران، قصف الدبابات، قصف المدفعية، تقدم الأفراد حوالي 60,000 جندي إسرائيلي بدأوا بالمعركة، دخل منهم الأراضي اللبنانية في الجنوب 30 ألفا أو يزيد".

اندفعت القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية فيما أطلقت عليه تسمية عملية الليطاني، فيما لم تبد القوات المشتركة من المنظمات الفلسطينية والأحزاب اليسارية اللبنانية أية مقاومة تذكر، وهي التي كانت تدك بحمم قذائفها في اكثر من مناسبة قرانا الآمنة....فيما يبدوا ان في الأفق أمرا دبر بليل. وهو ما كان قد نبّه اليه الامام الصدر في خطبة الجمعة في مسجد الصفا بالعاملية يوم 3 شباط عام 1978 عندما قال: "ان سماح إسرائيل بوصول الأسلحة إلى صور معناه أنها تريد أن تقول للعالم أن هذه البقعة هي جزيرة سوفياتية مسلحة على حدودها وهذا الشيء يعرض البلاد لمجازر واحتلال لفرض شروط عدوانية على لبنان".

قطع الامام زيارته الى افريقيا وعاد الى لبنان عبر باريس ليتابع اتصالاته على جميع الاصعدة، و في باريس قال في حديث لإذاعة مونت كارلو:

إن عرض إسرائيل هو الزامنا بتوقيع الاتفاق الذي تشترطه.(التاريخ يعيد نفسه)

إن اللبناني الجنوبي إذا وجد أن العالم تجاهله وتآمر عليه سيشكل ما يهدد به العالم.

*8*

في 18 آذار 1978 وبعد ان أعلنت إسرائيل استكمال أهداف عمليتها العسكرية تلك قدمت اميركا مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يهدف الى اعلان وقف اطلاق النار وارسال قوات طوارئ دولية تابعة للأمم المتحدة الى جنوب لبنان، لكي تشرف على انسحاب القوات الإسرائيلية وانتشار الجيش اللبناني وتساعد الحكومة اللبنانية على إعادة فرض سلطتها على الجنوب، وتم التصويت عليه في اليوم التالي أي في 19 آذار بالأكثرية وأخذ الرقم 425.

لم تهدأ حركة الإمام الصدر على جميع الأصعدة السياسية والاجتماعية الداخلية والخارجية بهدف تضميد الجراح والمساهمة في وضع الحلول المناسبة لعودة المهجرين من الحرب واستمر في رفع الصوت عاليا.. فقال منتقدا الحكام العرب كما ذكرت أسبوعية النهار العربي والدولي بتاريخ 25 آذار 1978:

وجه الإمام الصدر نداء بعنوان ماذا فعلتم بجنوب لبنان أيها العرب؟
...
وهنا تبرز مفارقة ملفتة للنظر إذ وفي هذا التاريخ استعرت حملة اليمين اللبناني على الإمام الصدر فقد نشرت جريدة النهار تقريرا ورد فيه: اتهم الرئيس كميل شمعون في ندوة صحفية عقدها الإمام الصدر بانه "من المسؤولين الأول ومن الذين يتحملون المسؤولية الكبرى في المأساة التي وصل إليها الجنوب"

وفي موقف آخر حول تصريح للامام الصدر اكد شمعون

"أن حكم التاريخ لن يكون لمصلحة موسى الصدر".

*9*

الخطبة الفيصل: في 31 آذار وفي صلاة الجمعة، كانت للإمام موسى الصدر خطبة في مسجد الصفا بالكلية العاملية نستطيع ان نصفها بأنها الفيصل في كل ما يمكن أن يحكى ، وقد حملت الكثير من الرسائل والمعاني حيث وضع فيها النقاط على الحروف وتحدث عن الماضي والحاضر والمستقبل وفي كل كلمة أوعبارة إشارة إلى موضوع معين، ومما قاله في تلك الخطبة: "أيها المصابون أيها المحزونون أيها المظلومون من الأخ والصديق قبل الظلم من العدو والبعيد...

نحن اليوم أمام مصيبة .. احتلال من العدو .. ذو أبعاد عديدة، طمع في الأرض، طمع في المياه، طمع في القلاع، طمع في الثروات، طمع في الآثار التاريخية، طمع في التوسع، كل هذا موجود بالإضافة إلى ذلك اعتداء على البيوت على الممتلكات مباشرة بواسطة العدو أو غير مباشرة بواسطة عملائه.

كل هذه الأخطار جانب والنزوح جانب آخر والعيش في المنفى والعيش بعيدا عن البيت والعيش بعيدا عن الأرض بعيدا عن القرى خطر ذو وجهين ذل وضياع ...

هناك مطامع استيطانية إسرائيلية معروفة وهناك مطامع استيطانية طائفية معروفة أيضا وهناك مطامع استيطانية عربية، غيابنا عن الأرض يهدد الأرض وهذه المصيبة الثانية، والمصيبة الثالثة والأخطر أن العدو الطامع في أرضنا وفي بيوتنا وفي كرامتنا طامع أيضا في تاريخنا وفي شرفنا وفي عزتنا... أمام هذه المصائب ماذا نعمل؟ هل نهرب من واجهة الأحداث؟ كلا، هذا الذي يريده أعدائنا أولئك الذين بإسم الأصدقاء يشمتون ويتشفون و يهزؤون ويسخرون اولئك الأعداء الذين يلبسون ثوب الأصدقاء..
...
لماذا أصبنا بهذه المصيبة أيها الأخوة؟ لأن الجنوبي وحدة تحمل عن لبنان كل لبنان وعن العرب كل العرب مسؤولية القضية المقدسة..

أقول شهادة للجنوب ولأهل الجنوب حتى يعرف الشامتون وحتى يسمع الأعداء ماذا كان الموقف لماذا حصل ما حصل؟....

منذ عام 1948 بدأت إسرائيل بوضع المستعمرات المسلحة في أرضها في مواجهتنا كان من المطلوب أن نستعد فلم نستعد، أهل الجنوب تحملوا هذه المواجهة...

الجنوب وحدة تحمل عبء القضية الفلسطينية عن كل لبنان..

في محنة الحرب عندما كانت الجبهات الأخرى هادئة كانت جبهتنا متفجرة .

من الذي فجر الجبهة في الجنوب؟ ليس اللبنانيون لأن اللبنانيين أرضهم كانت موجودة ولم تكن أرضنا محتلة في الجنوب.

العرب فجروا الجبهة في الجنوب، من الذي فجر!! وبعض المسؤولين وافق على تفجير هذه الجبهة، عندما وافق على انتقال المقاومة الفلسطينية إلى الجنوب.

مسؤول في الحكومة مسؤول رسمي وافق رسميا على ذلك وليس أهل الجنوب، .. جنوب لبنان وحدة دفع الثمن... العبء الاجتماعي والعبء الجغرافي والعبء الديموغرافي والعبء الحربي والعبء الاقتصادي والعبء النفسي والعبء الإعلامي في العالم كان على عاتق الجنوب وحدة منذ العام 1948 حتى يومنا هذا...

مصيبتنا أننا تحملنا وحدنا عبء لبنان مسؤولية لبنان وواجبات لبنان تجاه أشقائه .. نحن مصيبتنا هي مصيبة عدم التكافؤ في الحرب...

لنا دولة لنا رئيس لنا نظام سياسي، الحرب خطة، ما هي خطة الدولة للتحرير؟ لإزالة رجس المستعمر من الجنوب؟.. تختاره الدولة ونحن مع الدولة.

وبنفس الوقت مسؤولية تحرير الأرض مسؤولية إزالة العدو مسؤولية إرهاق العدو إذا لم يخرج من الجنوب هي مسؤوليتنا وحدنا لا نريد من أحد من الأشقاء ولا نريد من المقاومة الفلسطينية أيضا أن تساهم في معالجة هذا الأمر ....

نحن سنتكفل بذلك وسنتحدى العالم بذلك وسنقول للعالم: أرضنا احتلت ليس بسببنا أبدا!! وليس بإرادتنا أبدا، بل تآمر دولي وإهمال عربي اديا إلى ذلك فنحن نتكفل بإزالة أثره وبإنهائه..."

بهذا الخطاب رسم الامام موسى الصدر مسارا للأحداث فكبرت المؤامرة ضده ..

*10*
...
والسؤال الذي يدور في ذهني منذ ذاك التاريخ، هل أن قرار اختطاف موسى الصدر اتخذ بعد هذا الخطاب الذي لم يوفر فيه أحدا من جهة، ولم يتهاون او يضعف من جهة أخرى، والعجيب المحير أنه قد التقى على تنفيذ جريمة الاخفاء بالتنفيذ او بالتواطؤ جميع (الاعدقاء).. الأعداء فيما بينهم ظاهرا، والأصدقاء والحلفاء واقعا؟ خاصة وان هناك احداثا كبيرة كانت تتسارع في المنطقة، وكان دوره وموقفه عائقا امام تحقيق الكثير من تلك الأهداف المحلية والإقليمية؟ وهو الذي لم تكن دائرة اهتماماته وعلاقاته منحصرة في لبنان فحسب بل تتعداها الى ما سواها؟

ومع وصول طلائع القوات الدولية الى الجنوب اللبناني واستلامها المواقع التي بدأت قوات الاحتلال الاسرائيلية الإنسحاب منها في محيط مدينة صور في البازورية والعباسية وتقدم الجيش اللبناني خلفها لملئ الفراغ برزت عدة مفارقات:

المفارقة الأولى وهي أنه ما أن بدأت طلائع قوات الطوارئ الدولية تصل الى الجنوب في 23 آذار 1978 تنفيذا للقرار 425 حتى اصطدمت بنوعين من العراقيل:

أحدهما من ميليشيا سعد حداد، التي افتعلت صدامات عسكرية مع القوات الدولية اكثر من مرة وفي اكثر من مكان وأدى ذلك الى سقوط ضحايا ، وقد عملت هذه الميليشيا بدعم إسرائيلي على إعاقة دور قوات الطوارئ الدولية من خلال استلامها لبعض المناطق من الجيش الإسرائيلي دون أن يتم تسليمها لقوات الطواري كي يتسلمها للجيش اللبناني، مما أعاق تنفيذ المهمة الأساسية،.

وهذا أمر ربما يكون متوقعا باعتبار ان سعد حداد ينفذ الرغبة الإسرائيلية بإقامة شريط حدودي يمنع الجيش اللبناني من الانتشار في المنطقة وبسط سلطة الدولة.

ثانيهما: برزت عراقيل أخرى لم تكن بالحسبان من خلال بعض المنظمات الفلسطينية المدعومة من معمر القذافي وفي طليعتهم الجبهة الشعبية – القيادة العامة، بزعامة أحمد جبريل، والتي أعادت انتشارها وتموضعها في مدينة صور ومحيطها بعد تنفيذ وقف اطلاق النار، وراحت تشتبك مع القوات الدولية وأدى ذلك الى سقوط عدد من ضحايا، ومنهم الكولونيل الفرنسي جان سالفان الذي أصيب في 2 أيار بقدميه في منطقة المعشوق بعد ان غادر اجتماعا عقده في مؤسسة جبل عامل المهنية مع الشهيد داود داود الذي كان مكلفا بالتنسيق مع القوات الدولية.

أصبحت القوات الدولية بين نارين، نار سعد حداد الذي يأتمر بأمر الإسرائيليين ونار المنظمات الفلسطينية المدعومة من دول عربية أبرزها ليبيا والعراق، والتي كان يطلق عليها جبهة الرفض، و تسعى لإبقاء الجنوب ساحة مشتعلة فالتقى الطرفان على هدف واحد.. وهو منع القوات الدولية من أداء دورها الذي يمهد لتحرير كامل الجنوب وانتشار الجيش اللبناني على كامل الحدود بعد الانسحاب الإسرائيلي تطبيقا للقرار 425 ، وكل منهما يظهر العداء للآخر، لكن عملهما كان واحدا..

*11*
...
كان هم الإمام الصدر تفويت الفرصة على كلا الطرفين من خلال خطين سلكهما: الأول: حث المواطنين على ضرورة العودة إلى قراهم مهما كان الثمن وبذلك يفشل خطة التهجير وما يتبعها من مؤامرات يشترك فيها الجميع، ولذلك كانت زيارته لمخيم النازحين قرب الغازية فقد نشرت جريدة النهار بتاريخ 10 نيسان 1978 التقرير التالي: زار الامام الصدر يرافقه الشيخ محمد يعقوب الغازية... وبعد الظهر قصد مخيم الطويلية للنازحين الجنوبيين قرب الغازية وهناك استمع الى شكاوي سكان المخيم، وملاحظاتهم ومطالبهم وقال بعد ان افترش الأرض يشاطرهم الحال" أسمع كلاما يدل على الهمة العالية... من قال تركت أبنائي الشباب هناك وحملت النساء والأطفال.. قال كلاما بمنتهى الشهامة والشرف لدى الإنسان.. وقال.. مطامع وإسرائيل وحتى غيرها اليوم غير خافية على أحد، وتعرفون أن الأرض تحمى بصلابة إنسانها. علينا أن نرجع مع القوافل المنظمة إلى الجنوب ..

سنكون إلى جانبكم إن شاء الله ... صِلاتنا مستمرة معكم وحتى لا تنقطع أخباركم يجب استمرار الاتصالات بواسطة الأمم المتحدة والصليب الأحمر . الطريق واحد مهما كان شاقا وتاريخكم اللبناني والديني حافل بالأخطار والبطولات.

وفي حديثه إلى المهجرين في مخيم صيدون قال علينا العودة لكي نثبت أننا نستحق الارض وأننا قادرون على حمايتها . هذا ما نشرته جريدة النهار في ذاك التاريخ..

أما ما سأنقله من كلام له مما لم تنشره الصحف في ذلك اليوم فسأكتفي بفقرات مما يمكنني نشره ( ولدي مجموعة من الصور عن ذاك اللقاء الذي استخدم فيه الامام ميكروفونا يدويا يعمل بالبطاريات بعد أن جلس على الأرض والشباب والرجال يحيطون به) حيث قال: لا بد لنا من العودة مهما كلف الثمن، لا نريد ان نعيش في مخيمات للاجئين، هذه الشوادر التي احضرت تأخذونها معكم مع ما يوزع من حصص غذائية، ومن كان بيته مدمرا فلينصب شادرا ويسكن فيه.

عليكم أن تتذكروا أمرا وتعرفوه، وهو أن الفلسطينيين عندما هجروا من بلادهم قبل 30 عاما أحضروا معه مفاتيح بيوتهم التي يحتفظون بها، وهم ينتظرون الجيوش العربية كي ترجعهم إلى ديارهم ولا زالوا ينتظرون!!

ومع ذلك فالفلسطينيون وجدوا من يحتضنهم ويرعاهم ويقدم لهم المساعدات ويحفظ كرامتهم، أما أنتم إذا تركتم دياركم وبيوتكم فمن الذي سيستقبلكم؟

نفضل أن نتحمل كل أنواع المعاناة ونبقى في بيوتنا، حتى لو تعرضنا للقتل.

كم سيقتل منا؟ مائة، ألف، الفين، حتى لو عشرة آلاف، فمن يقتل منا فليكن بيته قبره، يموت بعز وكرامة ونعرف أن البقية سيبقون في بيوتهم وارضهم، ولن يعيشوا حياة الذل، لكن إذا تهجرنا وتخلينا عن ارضنا وديارنا، فمن الذي سيساعدنا؟

وقام في ذلك اليوم بإعطاء مغلف صغير وضع فيه مبلغ 25 ليرة لكل شخص.
...
وطلب من الأخ المرحوم مصطفى الحاج وكان يومها لا يزال في الأمن العام اللبناني رعاية عودة النازحين، من خلال الباصات التي سيتم تأمينها، وللتاريخ كان للاخ مصطفى كلاما قاسيا مع بعض الأشخاص الذين أظهروا ترددا في موضوع العودة.

*13*

الثاني: نشاطه على الصعيد الإقليمي من خلال عدة اتصالات وزيارات شملت قادة ومسؤولين في سوريا والجزائر والسعودية والأردن وغيرها يحث فيها القادة على تحرك فعال للحفاظ على الجنوب وحمايته من الأخطار المحدقة به خاصة في ظل الأجواء والمخاطر التي استهدفت دور قوات الطوارئ الدولية وفي ظل المخاوف من فشلها بأداء مهمتها الهادفة الى تحرير الجنوب من الاحتلال وانتشار الجيش اللبناني ، وقد غطت الصحف بعض هذه الزيارات ومنها:

في 26 نيسان نشرت الصحافة إن الإمام الصدر قام بزيارة إلى كل من دمشق وعمان واجتمع مع ملك الأردن الملك حسين.

في 30 نيسان اجتمع مع الرئيس اللبناني الياس سركيس.

في 21 أيام غادر الإمام الصدر إلى الرياض في زيارة تستمر ثلاثة أيام.

وفي 24 أيار اجتمع الإمام الصدر في الرياض مع ولي العهد الأمير فهد بن عبد العزيز ونائب رئيس الوزراء قائد الحرس الوطني الأمير عبد الله وعاد إلى لبنان في 25 أيار، وزار دمشق يوم الإثنين والثلاثاء 29 و30 أيار.

في 13 حزيران غادر الإمام قبل ظهر أمس – أي في 12 حزيران - إلى الجزائر في زيارة رسمية لعدة أيام تلبية لدعوة رسمية على رأس وفد ضم الشيخ محمد يعقوب والعقيد عباس مكي والدكتور مصطفى شمران.

وفي 18 حزيران ذكرت وكالة الأنباء الجزائرية أن الرئيس هواري بومدين إستقبل الإمام الصدر والوفد المرافق له.

والمعلوم أنه في هذه الزيارة أقترح عليه الرئيس الجزائري هواري بومدين أن يقوم بزيارة إلى ليبيا بهدف اقناع معمر القذافي بصوابية موقفه الداعي إلى تعزيز قوات الطوارئ الدولية ودعم الجيش اللبناني في أخذ دورهما في الجنوب تمهيدا لجلاء الاحتلال الإسرائيلي عن كامل الأراضي المحتلة. ولكي يتم تصحيح الصورة السلبية المرسومة في ذهن القذافي عن الصدر ودوره. وتكفل بأن يقوم هو بإجراء الاتصالات مع الليبيين لكي تكون زيارته لهم بناء على دعوة رسمية منهم.

*14*
...
حضر القائم بالأعمال الليبي في لبنان إلى المقر المؤقت للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في خلده وسلم الإمام الصدر دعوة رسمية لزيارة الجماهيرية الليبية وحدد الموعد في 19 أو 21 آب ، فقرر تلبية الدعوة رغم الهواجس التي كانت تعتريه هو وعدد من المقربين منه من تلك الزيارة لما كان معلوما من عداوة القذافي له، لكن ورغم ما كان يستشعره من خطر صمم على السفر اذ لم يكن من هدف للامام الصدر في تلك الزيارة إلى ليبيا، سوى غاية واحدة وهي السعي الحثيث لرفع المخاطر المحدقة بجنوب لبنان والتي تتهدده من خلال عرقلة عمل القوات الدولية على يد العناصر المدعومة من القذافي، فكان هدفه اين يقوم بمحاولة إقناع القذافي لتغيير سياسته تلك بما يساعد على إزالة العراقيل والعقبات والموانع التي تعترض عمل القوات الدولية من ناحيتنا وتحول دون تنفيذ القرار 425 الذي صدر في 19 آذار من نفس العام، لكي لا يبقى الجنوب ساحة ساخنة للاستنزاف ضمن الصراع الإقليمي في المنطقة على حساب أهل الجنوب. وكان يرى أن هذا الهدف يستحق أن يبذل من أجل تحقيقه الجهود الحثيثة رغم الصعاب والمخاطر.

وبالتالي قد كان قرار موسى الصدر السفر في 25 آب من عام 1978 الى ليبيا (وهو التاريخ الذي استحضر ذكراه هذا اليوم ) بعد تأخير عن الموعد المقرر لأيام ذهب خلالهما الى دمشق في زيارة استمرت لمدة يومين بعد فترة من انقطاع للزيارات نحو دمشق والتي تحدثت عنها بعض الصحف يومها وهي الفترة، التي تلت الاجتياح الإسرائيلي لمناطق في جنوب لبنان في عام 1978. ونتيجة ما كان يستشعره المقربون من مخاطر لتلك الزيارة قبيل مغادرته بيروت بساعات قليلة أجرى الصدر لقاء استثنائيا مع أعضاء المكتب السياسي لحركة أمل وشرح لهم أهداف زيارته إلى ليبيا وعلى رأسها .

1 - إبراز الفكر الإسلامي الشيعي على حقيقته والدعوة الملحة إلى توحيد الصف الإسلامي

2- إبراز مواقف المسلمين الشيعة عبر التاريخ وتوضيح مواقفهم في الزمن الحالي تجاه القضايا المصيرية وعلى رأسها قضية فلسطين والعلاقة المتينة مع الثورة الفلسطينية.

ثالثا- تصحيح أي أخطاء عالقة في ذهن الليبيين تجاه الحركة وقائدها نتيجة ما تعرضت له من حروب إعلامية وتشكيك مستمر

رابعا- التنسيق بين دول الصمود والتصدي وجميع الأطراف والقوى الوطنية التي تشاركها في الخط والرؤية الوطنية.

ومن الأمور التي لم تنشر قوله ان هناك ضمانات تلقاها من الجزائر التي سعت لترتيب تلك الزيارة وتشجيعا من السوريين الذين التقى بهم قبيل سفره.

*14*

التقرير الأخير الذي نشر عن نشاطات الامام موسى الصدر ومواقفه قبل سفره الى ليبيا ما نشرته النهار يوم 26 آب 1978 أي بعد يوم واحد من سفره ورد فيه:

– عاد الإمام الصدر أمس إلى بيروت بعد زيارة قام بها إلى دمشق استمرت يومين أجرى خلالها محادثات مع عدد من المسؤولين السوريين.

  • بعد ظهر أمس و تلبية لدعوة رسمية غادر الإمام بيروت متوجها إلى طرابلس الغرب للقاء الرئيس الليبي معمر القذافي وبعض المسؤولين الليبيين،

  • قبيل مغادرته بيروت بساعات قليلة أجرى الصدر لقاء استثنائيا مع أعضاء المكتب السياسي لحركة أمل وشرح لهم أهداف زيارته إلى ليبيا وعلى رأسها . ( وهو ما ذكرت تفاصيله في الفقرة السابقة)
    ...

  • ذكرت وكالة الأنباء القطرية مقتطفات من حديث للامام الصدر ادلى به الى صحيفة الرأي العام الكويتية قبيل مغادرته الى ليبيا حسب ادعاء الصحيفة.

وقد اكد أن لبنان يمر في أخطر المراحل التي مر بها حتى الآن، وإن التحالف الإسرائيلي الكتائبي جعل من تل أبيب قوة سياسية وعسكرية في لبنان، وإن إسرائيل تلعب دور حامية الأقليات في الوطن العربي، وهنا تكمن الخطورة.

وأعلن: أنه لن يبق أمامنا غير العنف وسيلة للتعامل مع الجبهة اللبنانية بعد أن تبين أن هذه الجبهة لا تريد الخضوع للشرعية، وكشف الإمام عن محاولات لشق الطائفة الشيعية في لبنان وعزلها... (النهار 26 آب)

*15*

السؤال الكبير الذي نطرحه اليوم، إن كان الامام موسى الصدر قد سعى لاستحضار قوات دولية لحماية الجنوب قبل اجتياح عام 1978؟

وإن كان ولنفس الهدف قد تبنى تأييد وجودها والقيام بدورها تنفيذا للقرار 425

وإن كان يرى ان الخطر في افشال دورها اتى من ناحية إسرائيل ومن ناحية المنظمات الفلسطينية المدعومة من ليبيا والتي تخدم بدورها إسرائيل من حيث تدر او لا تدر،

وإن كانت زيارته لليبيا تهدف الى منع عرقلة دور القوات الدولية فدفع حياته ثمنا لها بهدف الحفاظ على الجنوب.. وكان اختطافه بعد أن غادرنا في 25 آب 1978

ألا يكون حينئذ ما يخطط له اليوم عند أصحاب القرار في 25 آب 2025 من مسعى للتخلص من القوات الدولية ودورها في الجنوب بدعم أميركي إسرائيلي اليوم اختطافا ثانيا للامام موسى الصدر وتبنيه لمشروع حماية الجنوب.؟؟

والمفارقة انه في عام 1978 كانت الإرادة الأميركية متغلبة على الإرادة الإسرائيلية في تبنيها للقوات الدولية، رغم عرقلة سعد حداد ومن وراءه اسرائيل ، والتقى هذا الهدف مع الرغبة الفلسطينية آنذاك المدعومة من الليبيين.

بينما يتبنى الأميركي اليوم الرغبة الاسرائيلة تماما في تناقض مع ما تبناه عام 1978

فهل سيخطف موسى الصدر ثانية، ليخطف بذلك الجنوب؟

واجبنا أن نقرأ الواقع كما هو، وننقد أنفسنا لنعرف أين أصبنا وأين اخطأنا

ونستذكر كلماته في 31 آذار عام 1978..التي سبق وذكرناه عندما يقول:

نحن اليوم أمام مصيبة .. احتلال من العدو .. ذو أبعاد عديدة، طمع في الأرض، طمع في المياه، طمع في القلاع، طمع في الثروات، طمع في الآثار التاريخية، طمع في التوسع، كل هذا موجود بالإضافة إلى ذلك اعتداء على البيوت على الممتلكات مباشرة بواسطة العدو أو غير مباشرة بواسطة عملائه.
...
هناك مطامع استيطانية إسرائيلية معروفة وهناك مطامع استيطانية طائفية معروفة أيضا وهناك مطامع استيطانية عربية، غيابنا عن الأرض يهدد الأرض وهذه المصيبة الثانية، والمصيبة الثالثة والأخطر أن العدو الطامع في أرضنا وفي بيوتنا وفي كرامتنا طامع أيضا في تاريخنا وفي شرفنا وفي عزتنا...

أمام هذه المصائب ماذا نعمل؟ هل نهرب من واجهة الأحداث؟ كلا،

هذا الذي يريده أعدائنا أولئك الذين بإسم الأصدقاء يشمتون ويتشفون و يهزؤون ويسخرون، اولئك الأعداء الذين يلبسون ثوب الأصدقاء.. ( وما اكثرهم اليوم)

فهل سنعي حقيقة ماجرى ويجري، و نكون بمستوى المسؤولية؟ ونمنع من أن يخطف موسى الصدر ثانية؟

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!