بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على خير رسله وأعز أنبيائه سيدنا ونبينا محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا.
السلام عليكم أيها المشاهدون الكرام ورحمة الله وبركاته.
نلتقي وإياكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج "أئمة الهدى" لنتواصل بالحديث معكم حول ما طرحناه في بداية برنامجنا مما يرتبط بالآية الكريمة: {بسم الله الرحمن الرحيم، يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}.
محور حديثنا في عدد من الحلقات يدور حول ما تدل عليه مفردات هذه الآية، وبشكل أخص: مَن هم المقصودون بـ {أولي الأمر}؟
{أولي الأمر} هؤلاء الذين وردوا في سياق الأمر في الآية الكريمة، حيث قرن الله طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله. كنا قد وصلنا وإياكم في عدد من الحلقات إلى بيان حقيقة لازمة، ألا وهي أنه لا بد أن يكون المأمورون بإطاعتهم، أو بالأحرى أن يكون المقصود بالمأمورين بهذه الآية، لا بد أن يكونوا من المعصومين.
لأنه كما أن العصمة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا بد منها، لا بد من أن تكون العصمة لمن قُرِن اسمه مع النبي في الآية، كما يقول الفخر الرازي، وقلنا إننا نوافقه الرأي على ذلك.
وفي إطار هذا الكلام، رحنا نبحث وإياكم بحثًا علميًا بما يقوله علماء المسلمين من المفسرين حول تفسيرهم لهذه الآية. لاحظنا أن هناك اختلافًا كبيرًا وتنوعًا وتعددًا في الآراء، ولكن الحقيقة لا بد أن تكون واحدة. ما هي الحقيقة؟ ما هو المعنى المقصود في الآية الكريمة؟
قد يقول قائل: "وما الفائدة من كل هذا البحث ومن كل هذا الكلام؟"
نقول: إنه يرتبط بحياتنا جميعًا كمسلمين. نحن نقرأ كمسلمين قوله تعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم، من يطع الرسول فقد أطاع الله}. وبما أننا نحن أمة آمنا بالله ربًا، وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبيًا، فلا بد من أن نُحرز ما أراده الله تعالى منا.
بالتالي، عندما يكون الأمر واضحًا وجليًا من أن إطاعة الله وإطاعة الرسول هما أمران مقترنان من خلال ما مر الكلام معنا من عدد من الآيات القرآنية، فكذلك عندما نلاحظ أن هناك اقترانًا لشخص ما أو لجماعة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلا بد لنا من أن نعرف مَن هؤلاء؛ لأننا إن أطعناهم فإننا نكون قد أطعنا الرسول وبالتالي أطعنا الله، وإن خالفناهم نكون حينئذ قد عصينا وهلكنا وغوينا ودخلنا في نار جهنم، وكل واحد منا يسعى للخلاص.
نحن في بحثنا هذا نحاول أن نصل إلى قناعة راسخة ضمن أدلة قطعية توصلنا إلى الحقيقة بين تلك الأقوال المتعددة في ذلك.
أود أن أقول في هذا الإطار أننا وصل بنا الكلام إلى أن هناك عدة تفاسير لهذه الآية. وما كنا قد وصلنا إليه هو القول الذي يعتبر أن الخلفاء الراشدين هم المقصودون بأولي الأمر. وعلى هذا القول، معنى ذلك أن الخلفاء الراشدين لا بد وأن يكونوا معصومين، وبالتالي طاعتهم طاعة مطلقة، كما أن طاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي طاعة مطلقة، فلا بد من أن تكون طاعتهم طاعة مطلقة.
وإن كانت طاعتهم مطلقة في هذه الحالة، حينئذٍ لا يجوز لنا أن نخالفهم. هذه هي النتيجة الحتمية للقول بأن المقصود بالآية هم الخلفاء الراشدون.
وعندما ندقق في هذه المسألة، نجد أن "الخلفاء الراشدين" كلمة تُطلق على أربعة أشخاص. بدأنا بالحديث عن الخليفة الأول، وناقشنا وبيّنا ما يقول عن نفسه وما يقوله الآخرون حوله من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكيف أنه وصل إلى الخلافة، وبيّنا حقيقة المسألة من أن ما يقوله عن نفسه عندما يقول: "إن لي شيطانًا يعتريني" إلى آخر ما مرّ الحديث عنه، يدلنا دلالة قطعية واضحة على أنه لا يمكن أن يكون من {أولي الأمر}.
وقبل أن نذكر هذه النتيجة، نترك الوصول إليها للمستمعين الكرام. ونحن كنا لا نزال في سياق استعراضنا لما يرتبط بهذه المسألة، وكنا في حلقتنا السابقة قد أشرنا إلى ما ورد في المصادر التاريخية عما قاله الإمام الحسين عليه السلام للخليفة الأول: "انزل عن منبر أبي".
وهذا الكلام أخذنا لكي نتحدث عن شخصية الحسين عليه السلام، شخصية الحسين التي تصادف في هذه الأيام ذكرى شهادته، حيث يعيش المؤمنون والموالون والمحبون أجواء من الحزن على استشهاد سبط رسول الله وريحانته الإمام الحسين بن علي عليه السلام.
في إطار هذا البيان، وصل بنا الكلام لكي نقول: هل ما يقوم به أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام وغيرهم من المحبين والموالين للحسين وأهل بيته الأطهار يدخل في إطار تقييم لأمر شخصي أو حالة تفاعلية عاطفية ترتبط بحدث له حدوده الضيقة؟ أم أن للمسألة بعدًا آخر؟
لذا، طرحنا في الحلقة الماضية محور حديثنا، وقلنا: "ماذا لو لم يكن هناك حسين؟"، ونكمل في هذه الحلقة أيضًا جزءًا ثانيًا من محور حديثنا: "ماذا لو لم يكن هناك حسين؟"
في تساؤلاتنا هذه عن الجانب الافتراضي، وقد تناولناها مفصلًا في الحلقة الماضية، وصل بنا الكلام لكي نقول: إن السؤال الافتراضي الذي نطرحه حول هذه المسألة {ماذا لو لم يكن هناك حسين} يحتم علينا أن نتأمل ونبحث بدقة وتمحيص كل ما يرتبط بمسألة الحسين عليه السلام وبجميع خصوصياتها، لِنرسُم من خلال إدراكنا واطلاعنا على تلك الخصوصيات مسار الأحداث الذي ارتبط بحركة الإمام الحسين عليه السلام.
وهذه الأسئلة الافتراضية عن الحالة العكسية هي التي يمكن أن توصلنا إلى الصورة الحقيقية التي تظهر لنا عظمة الحسين عليه السلام ومكانة الحسين عليه السلام، والصورة التي ينطلق منها المحبون والموالون في قراءتهم ونظرتهم لمكانة الحسين عليه السلام.
وهذا ما يؤدي للتساؤل بأن حدود ما يرتبط بمسألة امتدادات شخصية الإمام الحسين وحدود ما يرتبط بها، هل هو يدور ضمن حدود العمر الزمني الظاهري للإمام الحسين عليه السلام والتي تدور حوله حياته الشخصية التي لم تتجاوز 57 سنة؟ أم لشخصية الحسين عليه السلام امتدادات ضمن دائرة أوسع؟
ونقصد بالدائرة الأوسع ما يرتبط بالأسرة التي يُشكل الحسين عليه السلام واحدًا من أفرادها. وعندما نتحدث عن الأسرة، لا يمكن لنا أن ننسى أن الحسين عليه السلام كان خامس أصحاب الكساء، وكان أحد الذين خرج بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمباهلة نصارى نجران.
هذه الموقعية للإمام الحسين عليه السلام، بما لها من امتدادات ترتبط بالواقع الإنساني الذي ننتمي إليه، تأخذنا للبحث حول خصوصية الإمام الحسين عليه السلام. وهذه الخصوصية ترتسم من خلال عنوانين:
العنوان الأول الذي يرتبط بالإمام الحسين عليه السلام هو ما أجمع المسلمون جميعًا على تدوينه في كتبهم الحديثية والتاريخية وغيرها من الكتب المعتبرة، حيث ينقلون جميعًا حديثًا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا الحديث ينقلونه رغم اختلافاتهم الفقهية والمذهبية، وحول كثير من الأمور العقائدية، ينقلون جميعًا حديثًا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول فيه: "حسين مني وأنا من حسين".
"أنا من حسين"... هذه الكلمة ممن؟ ممن {لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}، من رسول الإنسانية صلى الله عليه وآله وسلم. وعندما يجمع المسلمون على نقل مثل هذه الكلمة، فمعنى ذلك أن التسليم بها والإيمان بها هو أمر قطعي لا شك فيه ولا ريب على الإطلاق.
حينئذٍ، لنا أن ندخل من هذه النافذة لمعرفة بعض جوانب شخصية الإمام الحسين عليه السلام الذي قال للخليفة الأول: "انزل عن منبر أبي"، والذي أُخبِرَ أمام حذيفة وغيره أن ابن سعد سيقتله على رأس بني أمية.
وحذيفة ذو الشهادتين يسأل النبي، كما أشرنا في الحلقة الماضية، يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن كلام الحسين عليه السلام، فيقول: "علمه علمي وعلمي علمه، نعلم بالكائن قبل كينونيته".
هذا هو المحور الأول، أو هذا الجانب الأول، الذي قلنا إنه من الأمور التي ترتبط بشخصية الإمام الحسين عليه السلام التي ستفتح لنا نافذة في بحثنا وحديثنا ونقاشنا حول سؤالنا الافتراضي الذي ذكرنا: "ماذا لو لم يكن هناك حسين؟"
النقطة الثانية التي ترتبط بشخصية الإمام الحسين عليه السلام هي مسألة نعتقدها نحن كأتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وربما يشاركنا في هذا الفهم بعض الآخرين من أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى، ولكن لِنَنسِب هذا الأمر إلى أتباع مدرسة أهل البيت: ما يرويه أتباع مدرسة أهل البيت، ما يقوله أتباع مدرسة أهل البيت نقلًا عن أهل بيت العصمة حسب اعتقادنا، من عبارات نصف بها الحسين عليه السلام، وهي تلك التي نزوره بها.
ماذا نعتقد بمكانة الحسين عليه السلام؟ ولْيَسمعنا مَن يتكلم على ما نقوم به من إحياء ذكرى سيد الشهداء، ولْيَسمعنا مَن يُقوِّل الأقاويل، ليعرف حقيقة ما نؤمن به وما نعتقده. وعندما نشاهد، ويُشاهد العالم، الملايين تُحيي ذكرى سبط رسول الله، فلا بد من أن يعرفوا مكانة سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضمن فهمنا.
ماذا نقول في هذا الإطار؟ نقول: "السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله".
الحسين عليه السلام نُعبر عنه بهذا التعبير، نَصفه بأنه وارث آدم. من هو آدم؟ آدم أبو البشر، آدم النبي الأول، آدم الإنسان الأول على سطح هذه الأرض. آدم هو الذي أسجد الله له ملائكته، آدم هو الذي غضب الله على إبليس لأنه رفض السجود له. نحن نعتقد أن الحسين عليه السلام هو وارث آدم الذي اصطفاه الله تعالى، وكما تقول الآية: {إن الله اصطفى آدم...} إلى آخر الآية. إذًا، هذه المكانة الأولى التي نعتقدها للإمام الحسين عليه السلام.
أعزائي الكرام، نكمل معكم ما نعتقده عن إمامنا الحسين عليه السلام بعد فاصل قصير، فانتظرونا.
عودة بعد الفاصل
أعزائي المشاهدين، نعود إليكم لنكمل حديثنا حول محور حلقتنا لهذا اليوم: "ماذا لو لم يكن هناك حسين؟"
كنا قد تحدثنا وإياكم في المحور الأول حول الأبعاد التي ترتبط بشخصية الإمام الحسين عليه السلام، سواء وفق ما أجمع المسلمون جميعًا على نقله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو وفق ما يعتقد به أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ويشاركهم في ذلك الاعتقاد عدد آخر من المسلمين.
العبارة الأولى التي نقول بها في زيارتنا للإمام الحسين عليه السلام، أو التي نُعبر بها عن حقيقة اعتقادنا بالإمام الحسين عليه السلام، نقول له: "السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله".
الفقرة الثانية: ماذا نقول له؟ نقول: "السلام عليك يا وارث نوح نبي الله". وعندما نقول وارث نوح، من هو نوح؟ نوح هو الأب الثاني للبشر في اعتقادنا، وهو النبي الأول من أنبياء أولي العزم الذين بعثهم الله تعالى للناس كافة. نحن نعتقد أن الحسين عليه السلام هو وارث نوح.
إضافة إلى ذلك، نقول له: "السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله". إبراهيم، وما أدراك ما إبراهيم! أبو الأنبياء، إبراهيم الذي بنى البيت الحرام. إبراهيم بمكانته وجلالة قدره بما يمثله، نعتقد أن الحسين عليه السلام هو وارث ذاك المقام الرفيع لإبراهيم الخليل. ألم يقل الله تعالى لإبراهيم بعد تلك المرتبة العالية التي اصطفاه واختاره بها: {إني جاعلك للناس إمامًا}؟ إذًا عقيدتنا أن الحسين عليه السلام يمثل ويُجسِّد تلك الوراثة.
بعد أكثر من ذلك، نقول: "السلام عليك يا وارث موسى كليم الله". موسى النبي الثالث من أنبياء أولي العزم. الحسين عليه السلام وارث موسى بما أُعطي موسى، وبما منحه الله تعالى، وبما هيَّأ له الله تعالى. الحسين عليه السلام هو وارث موسى.
بل ووارث عيسى، نقول: "السلام عليك يا وارث عيسى روح الله". وعيسى هو النبي الرابع من أنبياء أولي العزم.
إضافة إلى ذلك، نعتقد أنه نقول له: "السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله". وهنا تظهر لنا بعض المعاني التي ترتبط بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما يقول: "وأنا من حسين". هذه أيضًا سيكون لنا حولها كلام إن شاء الله في المستقبل بشكل موسع أكثر.
إذًا، عقيدتنا من الناحية المكانية والاعتبارية للحسين عليه السلام هو أنه يجسد مكانة هؤلاء الأنبياء جميعًا، من لدن آدم إلى نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. هؤلاء أنبياء أولو العزم وما بينهم من أنبياء ورسل بُعثوا.
نقول: "السلام عليك يا وارث وصي رسول الله". من هو وصي رسول الله؟ باعتقادنا أن الوصي الذي أوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمته باتباعه والأخذ بكلامه، هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. وحديثنا عن غدير خم يعرفه القاصي والداني ويرويه جميع المسلمين في مصادرهم التاريخية التي تتحدث عن بيعة يوم الغدير.
ثم نقول له: "السلام عليك يا وارث الحسن". من هو الحسن؟ الحسن الزكي، شقيقه، الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا".
إذًا، من خلال هذه العبارات التي ذكرناها في زيارتنا للإمام الحسين عليه السلام، تظهر حقيقة ما نعتقده بالإمام الحسين عليه السلام. ثم نُعبر عن ذلك بالقول: "السلام عليك أيها الشهيد الصدّيق الأكبر، السلام عليك أيها الوصي" إلى آخر ما نقوله في عبارات الزيارة.
إذًا، الحسين عليه السلام نال شرف وصف النبي الخاتم، النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الذي خُتمت به الرسالات. والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو أشرف الخلق عند الله تعالى، النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إمام الأولين والآخرين. ينال الحسين عليه السلام شرف القول بأنني "أنا من حسين".
ماذا يعني "أنا من حسين"؟ هل أنه من الناحية النسبية المسألة عكسية؟ "حسين مني" صحيح، الحسين نسبًا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أما النبي الذي هو خاتم سلسلة الأنبياء جميعًا، فأن يكون "من حسين" هو ما تجسده العبارات التي ذكرناها من أنه وارث آدم، إلى وارث محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إلى وارث علي والحسن.
وهذا الكلام يأخذنا للبحث عن الامتدادات التي ترتبط بشخصية الإمام الحسين عليه السلام عبر التاريخ. إذًا، نفهم من خلال هذه العبارات التي ذكرناها، أن مسألة الحسين عليه السلام ليست مرتبطة بشخص حدودُه هي حدود الزمن الذي عاش به، حدود مدى 57 سنة، وليست مرتبطة ببيئة جغرافية عاش بها، أو بمجموعة عاش معهم، بل إن ما يرتبط بالحسين عليه السلام يذهب بنا بعيدًا إلى عمق التاريخ، إلى الإنسان الأول، وهو آدم عليه السلام. وهو ما يحتم علينا أن نذهب في البحث حول تلك الحقيقة التي يجسدها الحسين عليه السلام في ذاك العالم قبل وجوده الزمني المحدود في عالمنا المحسوس.
أود هنا أن أشير، أعزائي المشاهدين، إلى واحدة من هذه المحاور التي ترتبط بالحسين عليه السلام بما قبل الحسين وجودًا في زماننا المادي، قبل أن ننتقل وإياكم للإجابة على عدد من الأسئلة التي وردتنا في الحلقة الماضية ولم نتمكن لقصر الوقت من إعطائها الإجابات اللازمة.
فهنا أود، أعزائي، أن أذكر معكم هذه الفقرة قبل أن ننطلق إلى ما أشرت إليه. نقول في هذا المعنى بما يرتبط بمرحلة ما قبل الحسين عليه السلام، نقول عبارة نرددها مما ورد في الزيارة الجامعة. توجد فقرة في الزيارة وهي من أهم الزيارات التي يُزار بها أئمة الهدى عليهم السلام، نقول: "وأن أرواحكم ونوركم وطينتكم واحدة".
إذًا، هؤلاء الأئمة الذين نؤمن بعصمتهم، أرواحهم ونورهم وطينتهم واحدة، طابت وطَهُرت بعضها من بعض. والشاهد العبارة التالية: "خلقكم الله أنوارًا فجعلكم بعرشه مُحدِقين، خلقكم أنوارًا فجعلكم بعرشه مُحدقين". هذه هي المكانة التي نعتقدها في أئمتنا عليهم السلام. وهذا ما يُحتم علينا أن نذهب بعيدًا في بحثنا للمراحل المرتبطة ببدء الخلقة، حيث قلنا إن الحسين عليه السلام وارث آدم وصولًا إلى المرحلة التي عاشها الإمام الحسين عليه السلام.
نكتفي وإياكم في هذه الحلقة من محور حديثنا بهذا المقدار، قبل أن أذهب وإياكم للحديث حول أجوبة تلك المسائل من المسائل التي وردت في الحلقة الماضية.
سؤال أجبنا عنه باختصار، ووعدنا الأخت السائلة أم هدى من كربلاء أننا سنتحدث عنه بشكل مفصل، وهو ما يرتبط بعنوان: النهضة الحسينية أم الثورة الحسينية؟
أشرت في حلقة الأسبوع الماضي إلى تحفظ يمكن أن نذكره على استعمال كلمة (ثورة). لماذا؟ لماذا نتحفظ عن هذا؟ مع أننا أحيانًا قد نستعملها وأحيانًا يستعملها الكثيرون.
في إطار هذه المسألة، أود أن أبين، أعزائي، أن هذه الكلمة، كلمة "ثورة"، هي من المصطلحات الحديثة. وعندما تكون كلمة من المصطلحات الحديثة، فمعنى ذلك أنها لم ترد في النصوص التي كانت في عهد المعصومين عليهم السلام. وبالتالي، فإننا لا بد من أن نلحظ معناها المرتبط باستعمالاتها الآنية.
عندما نفهم هذا المعنى، حينئذٍ لنا أن نتساءل: هل المعاني التي تدل عليها كلمة "ثورة" تنطبق على ما قام به الإمام الحسين عليه السلام أم لا؟ وهل -ونقصِد من قولنا- من أين جاء استعمالنا الشائع لهذه الكلمة، بحيث نجد أن الكثيرين ممن كتب وألَّف في الأزمنة المتأخرة استعمل هذه الكلمة واستعمل الوصف، ونجد أن الكثيرين من الخطباء والمبلغين والمتكلمين والمتحدثين يستعملون هذه الكلمة؟
في الواقع، لو أردنا أن ننظر إلى هذه الكلمة من منظار لغوي مجرد، فنجد أن كلمة "الثورة" تأتي من ثار الشيء، من الهيجان. وهذا الهيجان الذي يرتبط عادة عندما يُوصف به الإنسان بحالة الغضب، فيقال: "ثوَّرَه هيَّجَه". إذًا، هذا باختصار بما يرتبط بأحد المعاني التي هي أقرب إلى ما يُقصد بالمسألة؛ لأن للكلمة من الناحية اللغوية معانٍ كثيرة. وبالتالي، استبعدنا تلك المعاني لعدم انسجامها على الإطلاق مع هذه المعاني.
نأتي إلى النصوص التاريخية عند العرب: هل استُعمِلت كلمة "الثورة"؟ نجد عبارة وردت استُعملت بها كلمة "الثورة" (يعني من مشتقاتها) في رسالة بعث بها أبو جهل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما ذهب إلى الطائف. ومعروف أنه عندما آذت قريش النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ترك مكة وذهب إلى الطائف، كما هو معروف في المصادر التاريخية، ليدعوهم وعانى منهم ما عانى. أبو جهل بعث برسالة يقول فيها: "يا محمد" يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الخيوط التي في رأسك هي التي ضيَّقت عليك مكة". يريد أن يقول له: "إن ما تحمله من أفكار هي التي جعلت أهل مكة يضيقون عليك، مما اضطرك إلى ترك مدينتك وبلدتك والذهاب إلى الطائف". هذا ما قاله أبو جهل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فاصل قصير
أعزائي المشاهدين، نعود إليكم في محور حلقتنا الأخير لهذا اليوم، ومحور هذه الحلقة: "ماذا لو لم يكن هناك حسين؟"، ولكننا قد وصلنا وإياكم إلى الحديث عن الأجوبة التي وردت في الحلقة الماضية، وجوابنا عن سؤال الأخت أم هدى من كربلاء حول صحة استعمال كلمة "النهضة الحسينية" أم "الثورة الحسينية".
قبل الفاصل، كنا قد أشرنا إلى بعض جوانب استعمالات كلمة "الثورة" في اللغة، لا يرتبط بما نحن فيه من حديثنا عن الإمام الحسين عليه السلام. إضافة إلى ذلك، نجد بعض المصادر التي تحدثت من الكتب القديمة التي تحمل معنى الأخلاق وغيرها، استعمال كلمة "ثورة" في وصف الحالة التي يكون عليها الناس يوم يُنشرون من القبور. إذًا، كل هذه الاستعمالات خارج مورد استعمالنا.
نأتي للاستعمالات الحديثة لكلمة "الثورة" في المصطلح السياسي الحديث. هناك عدة تعاريف ذُكرت للثورة. من هذه التعاريف: هي ما يُطلق عليه من أن الثورة هي تحرك نُخَب أو جماعات من الناس لتغيير واقع سياسي معين، لتغيير نظام الحكم بالقوة. فتُستعمل كلمة "الثورة" بهذا المعنى.
ومن الواضح أن استعمال هذه المفردة بدأ مع بداية القرن التاسع عشر الميلادي، حيث بدأت الأنظمة السياسية والاجتماعية.
ويذهب الأحدث في تعريف يعتبر الأحدث، يُضيِّقون به الدائرة ليقولون أن هذا الوصف ينطبق على القوات المسلحة أو الشخصيات المؤثرة التي تقوم في مثل هذا العمل بهدف الاستيلاء على الحكم وتغيير نظام الحكم.
هنا لنا أن نسأل: هل هذه المعاني ترتبط أو لها دلالة أو يمكن أن توصف بها حركة الحسين عليه السلام؟ الجواب بالطبع: لا يوجد شيء من هذه المعاني قابل لأن توصف به حركة الإمام الحسين عليه السلام. مع أننا نجد في الفترة الأخيرة هناك توسعًا في استعمال كلمة "الثورة" التي صارت تُستعمل على (خاصة) بعد النهضة الصناعية، فيقال: "الثورة الصناعية" وأشبه ذلك، "ثورة التكنولوجيا" وما أشبه ذلك من مصطلحات.
ففي الواقع، لا يمكن لنا، يا أختي السائلة، أن نجد أن كلمة "الثورة" تَفي ما قام به الإمام الحسين حقًا، أو أنها تُصوِّر جزءًا، لأن كل العبارات لا يمكن أن تَفي حقًا ما قام به الإمام الحسين عليه السلام. وبالتالي، كلمة "نهضة" أو كلمة "قيام"، كما ورد في عدد من الأحاديث المروية: "قيام قائمنا" وغير ذلك، هي الأبلغ والأكثر انطباقًا على حركة الإمام الحسين عليه السلام.
في عندنا سؤال آخر وردنا من الأخ حسين من ذي قار الذي قال فيه: "أَوَليْسَ {إني جاعل في الأرض خليفة} ألا تتناقض مع الشورى؟"
لا شك ولا ريب أن هذا هو حقيقة الاختلاف بين المسلمين حول فهمهم الحقيقي لمقام الإمامة. نحن نعتقد أن الإمامة هي منصب إلهي، والمنصب الإلهي هو امتداد لمنصب النبوة، ومنصب النبوة هو أمر يختاره الله تعالى، {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخِيَرة}.
أما مسألة الشورى، فهي تدخل في إطار أمور جزئية يمكن أن يتشاور عليها المسلمون فيما بينهم، لا على عنوان الإمامة. بالطبع، الآية الكريمة التي أشرنا إليها: {إني جاعل في الأرض خليفة} هي مورد انطباقها على الإمامة الحقيقية المنصوبة من الله تعالى. ومسألة الشورى، كما قلت، لها جانب محدود في سلوك الناس.
هذا بالنسبة لسؤال الأخ حسين.
في عندنا مجموعة أسئلة من الأخ أبو حيدر من السماوة. الأخ أبو حيدر، يمكن كل سؤال يحتاج إلى وقت خاص للحديث.
نبدأ بسؤالك الأول: "هل الحسين عليه السلام أخطأ بخروجه على يزيد؟"
وهذا السؤال يستوجب منا أن نتعرف أولًا على مقياس الخطأ ومقياس الصحيح. ما هي الموازين التي يجب علينا كعقلاء أولًا، وكمسلمين ثانيًا، وكمؤمنين بشكل أخص ثالثًا؟ ما هي الموازين التي يمكن أن يوزَن بها الأمر عندما نقول خطأ وعندما نقول صح؟
إذا أردنا أن نتحدث من منطلق كمؤمنين، فإننا نجد أن الصحيح هو ما يكون مطابقًا لأمر الله تعالى، والخطأ هو ما يكون مخالفًا لأمر الله تعالى. وبالتالي، هنا نسأل في إطار جوابنا: الحسين عليه السلام عندما تحرك وقام بما قام به، هل كان في عمله هذا مخالفًا لأمر الله تعالى أو لأمر رسوله؟
ثم هنا يُطرح السؤال الذي يرتبط بعنوان بحثنا الأول: مكانة الحسين الحقيقية ما هي؟ هل هي تدور ضمن محور محدود؟ هل أن الحسين عليه السلام كان هدفه أن يصل إلى الحكم، وبالتالي تحرك، وحينئذٍ بما أنه لم يصل يكون قد أخطأ؟
نعم، إذا كانت النظرة للحسين عليه السلام بأنه إنسان يتحرك ضمن دائرة محدودة ولهدف محدد أراد من خلاله أن يستلم السلطة، فعندما نشاهده يخرج بذاك العدد المحدود، ضمن ذاك الجو، إلى تلك المدينة، لا شك حينئذٍ ضمن هذا الفهم يُقال حينئذٍ أنه أخطأ. ولكن ليست هذه حقيقة الحسين عليه السلام.
حقيقة الحسين عليه السلام هو الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا". الحسين عليه السلام عندما يقول عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أشرنا إليه في المحور السابق من حديثنا: "حسين مني وأنا من حسين". عندما يكون الحسين عليه السلام يُجسِّد تلك المعاني التي أشرنا إليها: يا وارث آدم، إلى لدن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فمعنى ذلك أن الحسين عليه السلام يجسد الحقيقة. وعندما يجسد الحقيقة، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحق علي عليه السلام: "عليٌّ مع الحق والحق مع علي"، وبالتالي: "اعرف الحق تعرف أهله". علي عليه السلام يجسد الحق، الحسن يجسد الحق، الحسين يجسد الحق.
وحينئذٍ تتضح لنا أبعاد ما قاله الإمام الحسين عليه السلام عندما خرج وقال: "سُنَّ لنا سنةً". قال: "ومثلي لا يبايع مثلَه" عن يزيد. وبيّن: "رجل مُعلَن بالفسق والفجور". وعبَّر عن كلمته المشهورة: "خرجتُ ما خرجتُ أَشِرًا ولا بَطَرًا، ولا ظالمًا ولا مُفسِدًا، إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر".
المصير الذي ينتظره كان يعرفه تمامًا، وهو صغير يقول: "سيقتلني عمر بن سعد على رأس جيش من بني أمية" كما أشرنا في حديثه إلى حذيفة ذي الشهادتين. وعندما انطلق من المدينة أولًا، ثم من مكة، نجد أنه كان يسير وكان على موعد في الزمان والمكان. وعندما وصل إلى كربلاء: "ها هنا محط رحالنا". وعندما حان وقت المعركة مساء التاسع من محرم، قال: "أمهلونا"، لأنه يعرف أن الموعد يوم عاشر. وعندما تحدثت معه أم سلمة وغيرها في المدينة المنورة ومكة، وعندما أراد الخروج، قال: "شاء الله أن يراني قتيلًا، وشاء الله أن يراهن سبايا".
هذا حول سؤالك الأول يا أخ أبو حيدر.
فيما يتعلق بسؤالك الثاني: "قصة خلافة يزيد".
يزيد بن معاوية الذي كان -كما عبَّر عنه الحسين عليه السلام- مُعلَنًا بالفسق والفجور. ومن المعروف أن معاوية كان يتصف بالدهاء. كان -كما عبَّر عنه أمير المؤمنين عليه السلام في عدد من خطبه وكلماته ورسائله- "أنك لا زلت تُبطن الكفر وأنك أسلمت كُرْهًا". وهنا أود أن أشير إلى أنه يوم فتح مكة، عندما انهارت معنويات أبي سفيان وشاهد جيش النبي (جيش المسلمين) متجها إلى مكة، كان لمعاوية موقف مُؤنِّب لوالده يريد أن يمنعه عن أن يدخل في الإسلام. المهم أن معاوية كان يتصف بتلك الأوصاف، أما يزيد فكان الأمر عنده مُعلَنًا. وبالتالي فإن معاوية حبَك المؤامرات ودسَّ الدسائس وعمل أشياء وأشياء تمهيدًا لكي يصل الأمر إلى يزيد، من ذلك سمّه للإمام الحسن عليه السلام في مرحلة سابقة، وثم بعد أن أخذ البيعة ليزيد ورسَم تلك الأمور المرتبطة. نود إن شاء الله في حلقة مقبلة أن نتحدث عن بعض خصائص يزيد ومعاوية فيما يرتبط بذلك.
وبهذا المقدار نكتفي من جوابنا للأخ أبو حيدر.
يبقى السؤال الثالث الذي ذكره الأخ أبو حيدر: "هل أن من قتل الحسين عليه السلام من الشيعة؟"
هذا في الواقع من الكلام الذي يقوله المعاندون والجاحدون بحق شيعة أهل البيت عليهم السلام.
كلمة "الشيعة"، من يُقصد بها؟ ومَن هم الذين قتلوا الحسين عليه السلام؟
أود بداية أن أشير إلى أن كلمة "الشيعة" لها استعمالان: استعمال لغوي واستعمال خاص. الاستعمال اللغوي: تُقال كلمة "الشيعة" للأتباع، أتباع كل شخص يُقال عنهم أنهم شيعة هذا الشخص. ولذا نجد الإمام الحسين عليه السلام قال في كربلاء: "يا شيعة آل أبي سفيان". إذًا، خاطب القوم بأنهم شيعة آل أبي سفيان، وليسوا شيعته. فكيف يكونون من شيعته وهو يقول لهم: "يا شيعة آل أبي سفيان"؟! هذه واحدة. إذًا مسألة الاستعمال اللغوي للكلمة هم الأتباع.
نأتي إلى مصداق هؤلاء الذين قتلوا الحسين عليه السلام في كربلاء: هل أنهم أتباعه؟ هل يمكن للمرء أن يقتله أتباعه؟ إنهم معادون، المعادي هو الذي يَقتل، وليس التابع أو المتابع. الأتباع والمتابعون هم الذين قاتلوا مع الحسين عليه السلام.
إذًا، بالمعنى اللغوي هذا هو المقصود بالشيعة. أما بالمعنى الاصطلاحي، فالشيعة هم الأتباع الحقيقيون لعلي بن أبي طالب عليه السلام. بالطبع إن الحديث عن واقعة الكوفة وما تحتويه الكوفة من ذلك الوقت يستدعي منا حديثًا مفصلًا في الإجابة عن ذلك، ليتبين لكل سائل، سواء كان ممن يبحث عن الحقيقة أو كان معاندًا، نُبين لهم حقيقة كيف كانت الكوفة في ذلك الوقت.
أعزائي المشاهدين، نكون قد وصلنا وإياكم إلى نهاية هذه الحلقة في هذا اليوم.
حتى نلتقيكم في [الحلقة القادمة]، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!