
في اليوم الأول من شهر شباط الحالي -وشباط بالنسبة لي هو شهر الذكريات الأليمة-
ذهبت بعد الظهر برفقة الصهر العزيز والخطيب المفوه السيد نصرات قشاقش الى مؤسسة جبل عامل المهنية في منطقة البرج الشمالي في صور، وهي المدرسة التي امضى فيها احدى سنوات دراسته طالبا، في تسعينيات القرن الماضي.
ذهبنا لحضور مناسبة أخبرني عنها الأخ العزيز الحاج خليل حمدان، وهو ممن يجمعني وإياه تاريخ قديم متواصل من علاقة ابتدأت في المؤسسة من أيام الشهيد شمران - و كان قد سبقني اليها بشهر واحد - مرورا بالمحطات التاريخية المتعددة الى يومنا الحاضر.
والمناسبة كانت لذكرى ثلاثة أو أربعة ممن انتموا لهذه المؤسسة في واحدة من محطات التاريخ الخالد، فكانت بيتهم ومصنعهم وتاريخهم، وهم:
الشهيد حسين الحسيني، وشقيقه المرحوم الأستاذ حسن الحسيني، إضافة الى القائد الكشفي المرحوم بلال بركات، وأيضا ذكرى الشهيد حسن قصير..
ليس من عادتي في هذه الأيام أن أشارك بمثل هذه المناسبات لاعتبارات متعددة
لكن لهذه المناسبة خصوصية تحفزني على الحضور، خاصة وأن لي مع هؤلاء جميعا ذكريات تأخذني الى عهد الشهيد الدكتور مصطفى شمران وتلك الفترة الذهبية من تاريخ مدرسة جبل عامل المهنية، التي كانت مصنعا للرجال ومصنعا للتاريخ الذي نتفيأ ضلاله..
فحسين الحسيني كان طالبا فيها، وكان نشطا فتولى مسؤوليات حركية أساسية في مرحلة التأسيس انطلاقا من الشياح، واستشهد في 31 كانون الثاني من عام 1976.
أما حسن قصير فكان الطالب المتفوق بين أقرانه وسجل علاماته بين يديّ كان شاهدا، وهو الذي اختار في سنته الأخيرة قبل ان يتخرج برتبة شهيد استشهادي أمام المؤسسة في الخامس من شباط من العام 1985 منفذا كلامه: سبوا لي ربي فأردت ان انتقم لديني.
اما حسن الحسيني وهو شقيق الشهيد حسين فهو الأستاذ الهادئ والخلوق في المؤسسة والمدير في مراحل سابقة، ولي معه صور وذكريات وهو الذي رحل في آذار من العام 2024..
واما بلال بركات، فمن تلميذ عام 77 الى أستاذ، ومن كشفي في فوج المؤسسة الى قائد في المفوضية، ورحلة من العطاء تعرفه فيها أجيال الكشاف، وهو الذي أسلم الروح في نهاية العام 2024 في النجف الاشرف، لينال شرف التشييع في كربلاء والنجف الاشرف، ويواري الثرى في جبانة وادي السلام، حيث مجمع أرواح المؤمنين عبر الأزمان من كل مكان..
عندما وصلنا في الساعة الواحدة ظهرا كان اللقاء بعدد من الأعزاء مؤثرا، طلابا وأساتذة، وخاصة وأنهم قد غزا الشيب رؤوسهم ولم ألتق ببعضهم مذ ان كانوا شبابا يافعين.
بعد القرآن الكريم كانت كلمة الدكتور أيوب حميد، فهو صهر الشهيد وأخيه الفقيد، وكلمة المدير الحالي الثابت في المؤسسة الأستاذ جمال شبلي، ومجلس العزاء، وتلاه أخذ صورة تذكارية لعدد من الحضور الذين لا يجتمعون الا في رحاب المؤسسة، وكان الصعود الى المطعم ليستذكروا واحدة من الاكلات المشهورة بين طلاب المؤسسة.
بعد هذه المناسبة أمضيت أياما أستعرض في ذاكرتي شريطا من الذكريات بين محطة و أخرى، أتنقل بين صور ذاك الزمن الجميل المليء بالآلام، والتحدي والعنفوان والكرامة الذي أوصلنا الى أيام كريمة.
وكانت صور ضبابية ترتسم في الأفق من كثرة الاخبار المتسارعة والمتناقضة يوما بعد يوم، والتي تأخذ حيزا كبيرا من الاهتمام، وتتداخل فيها مع صور ذاك التاريخ، إذ تسود حالة من الترقب نحو المستقبل المجهول، حيث يقف العالم مشدودا ومترقبا معرفة ما يمكن ان يحصل في إيران؟
وايران احتفلت هذا الشهر بالذكرى 47 لانتصار تلك الثورة التي رسمت واقعا سياسيا واجتماعيا متغيرا في منطقة الشرق الأوسط خاصة، بل وفي بقية بلدان العالم عامة، وكم تبدلت الكثير من المواقف والحسابات والقراءات بين اليوم وبين الذكرى الثالثة التي كانت في شباط من العام 1982، وصولا الى التساؤلات الكبيرة التي تطرح حاليا:
هل ستندلع الحرب في القريب العاجل بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى خاصة بعد هذه الحشود الضخمة والتحديات غير المسبوقة؟ أم سيعيد التاريخ تجربة خليج الخنازير؟ وهل ستكون فيما لو اندلعت بمستوى حرب الأيام الاثني عشر من العام الماضي؟ ام ستكون أقسى وأصعب وأطول؟
وكيف ستكون النتائج والانعكاسات على منطقتنا العربية عامة، ولبنان خاصة؟
في هذه الأجواء.. أهداني منذ أيام أحد الاصدقاء كتابا وثائقياً يؤرخ لمرحلة حساسة من تاريخ ايران السياسي المعاصر، ويكشف عن جوانب كانت مجهولة بتفاصيلها تتناول مرحلة التحضير لتلك الثورة وعنوانه: عبد الناصر وثورة إيران.
تبرز أهمية هذا الكتاب والمنشور في القاهرة عام 2000 م بطبعته الثانية من قبل مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في أن مؤلفه فتحي الديب هو ضابط مصري كبير كان قد تولى مسؤوليات هامة وحساسة في مصر منذ الثورة التي أطاحت بالملكية وأوصلت جمال عبد الناصر الى السلطة، وتولى مسؤوليات أساسية في بناء جهاز المخابرات العامة المصرية من العام 1953 الى العام 1960 و عين سفيرا لمصر الى العام 1964 في سويسرا، ثم وزيرا وأمينا عاما في مجلس الرئاسة المشترك بين مصر والعراق، و امينا عاما للقيادة السياسية الموحدة بين مصر وسوريا وليبيا والسودان في العام 1970 قبل وفاة جمال عبد الناصر في ذاك العام.
وكانت من أبرز المهام التي أوكلت إليه بعيدا عن الاعلام، تحمله مسؤولية ما أطلق عليه صفة دعم الدور النضالي لحركات التحرر العربي بكافة دول الوطن العربي منذ العام 1953 وحتى وفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر في 28 أيلول من عام 1970، كما في سيرته، وهو ما جعله على علاقة مباشرة حسبما يكشفه الكتاب من أسرار كانت مجهولة من خلال وثائق مصورة تبين بالتفصيل طبيعة العلاقة بين جمال عبد الناصر وقيادات الثورة الايرانية من حركة تحرير ايران وغيرها، ويسلط الضوء على مرحلة مهمة من ستينيات القرن الماضي التي تلت سقوط حكومة مصدق وسجنه في ايران ثم وضعه في الإقامة الجبرية في الخمسينيات .
ويبرز في هذه العلاقة الدور المحوري والأساسي للشهيد الدكتور مصطفى شمران ومعه إبراهيم يزدي في التأسيس لتلك العلاقة في العام 1964، ومجيئه من اميركا واتخاذ القاهرة مقرا لأنشطة المعارضة الإيرانية لفترة من الزمن وصولا الى انتقال الشهيد شمران فيما بعد الى لبنان، وارتباطه بالسيد موسى الصدر.
فشدني موضوع الكتاب وشرعت في قراءته مكتشفا جوانب خفية بتفاصيلها بالنسبة لي عن الشهيد الدكتور مصطفى شمران.
وفي هذه الاثناء وقبل أن أكمله وأنا أتصفح بعض المواضيع والمقالات التي تتحدث عن دور الشهيد شمران مقارنة مع ما هو مدون في الكتاب وما أعرفه عنه نتيجة الفترة التي قضيتها معه كأمين للسر، من أمور أحتفظ بها لنفسي، لفت نظري مقال منشور في إيران باللغة الفارسية في موقع لمعهد الدراسات والبحوث السياسية، منسوب الى المهندس مهدي شمران، شقيق الشهيد مصطفى شمران، والذي سبق والتقيت به مرارا واولها في الذكرى الثالثة لانتصار الثورة عام 82م ، وراعني ما يحتويه من أخطاء، بل مغالطات كبيرة وتساءلت:
هل يمكن ان تكون هذه نتيجة جهل او سهو! أم أنها تحريفات مقصودة؟ وإن كانت مقصودة فمن سيكون وراءها؟ هل يمكن لمهدي شمران أن يتعمد الوقوع في هكذا أخطاء ؟
أستبعد ذلك... إذن هناك من تعمد نشر مثل هذه الحقائق بصورة مزيفة؟ فمن هو؟
و ازدادت الامور ريبة عندما استذكرت ما سبق وقرأته في ترجمة كتاب الشهيد شمران (لبنان) الى العربية باسم مذكرات الشهيد الدكتور مصطفى شمران في لبنان، والذي نشرته دار المحجة البيضاء في العام 2018 بترجمة الأستاذ رحيم جعفر الهادي،
فقد لاحظت يومها ان هناك نقصا في الترجمة لفقرات مهمة في سياق مواضيع الكتاب التاريخية المذكورة،
وفيه أخطاء قد تصل في بعضها الى حد التحريف، من خلال المقارنة مع النص الفارسي الأصلي للكتاب، إضافة الى معرفتي ومعايشتي لكثير من تفاصيل تلك الحقبة..
وهذا ما استوجب ضرورة البحث والتدقيق لمعرفة خلفية هذه الأخطاء. هل هي متعمدة أم ماذا؟ إذ مع وجود الاخطاء سيفقد أي موضوع تاريخي قيمته ؟ خاصة وأننا نتلمس في واقع حياتنا نمطا من تزوير التاريخ الذي عشناه ولا نزال.
والبحث والتدقيق في ذلك سيكون من خلال موضوعين:
الموضوع الأول: ما ورد في مقال معهد الدراسات والبحوث السياسية.
والبحث فيه يستوجب التدقيق من جهتين: الموقع ، والكاتب.
الجهة الأولى: حول موقعية المعهد ومصداقيته وأهدافه، فعند البحث عنه تبين من التعريف به ما كتب فيه عنه، وسأكتفي بنقل ترجمة بعض فقراته:
تأسس معهد الدراسات والبحوث السياسية في عام 1988 من قبل مجموعة من الأفراد المهتمين بهدف الإجابة على العديد من الأسئلة حول أسباب الثورة الإسلامية والجوانب الخفية للتاريخ المعاصر.
آمن المعهد بضرورة توثيق الأحداث قبل أن يطويها النسيان ويمحوها من ذاكرة التاريخ، وبضرورة نقلها إلى الأجيال القادمة.
وفي فقرة ثانية: يشمل التأريخ لأي حقبة تاريخية عناصرَ متعددة تُسهم مجتمعةً في تقديم صورة شاملة وواضحة لأحداث تلك الفترة.
وفي فقرة ثالثة: يحاول معهد الدراسات والبحوث السياسية، الذي لطالما أثارت أعماله ردود فعل مختلفة في الأوساط الثقافية والتاريخية في الداخل والخارج، الآن توسيع أنشطته حتى يتمكن من لعب دور، مهما كان صغيراً، في الحفاظ على التاريخ من ويلات وتشويهات العصر.
ويعمل المعهد الآن على إعادة هيكلة واستكمال مكتبته التاريخية المتخصصة، وتوسيع نطاق تفاعله مع مراكز التوثيق مثل منظمة التوثيق،
وترحب المكتبة الوطنية الإيرانية، ومركز دراسة المؤرخ، ومعهد الدراسات التاريخية المعاصرة في إيران، ومركز وثائق الثورة الإسلامية، ومركز دراسة المؤرخ الناجي، ومركز وثائق وزارة الخارجية، ومراكز الوثائق في الخارج، وغيرها، ترحيباً حاراً بجميع الباحثين في مجال التأريخ للتعاون والبحث في الجوانب المهملة من التاريخ المعاصر.
إذن هذا الموقع الالكتروني ليس نكرة مجهولة، بل له مكانته واعتباره بين الباحثين.
الجهة الثانية: حول كاتب المقال، فالملاحظ أنه لم يذكر اسم كاتب له وإنما حمل توقيع وكالة أنباء الطلاب SNN، و نسب الكلام الوارد فيه الى مقابلة من دون تحديد التاريخ مع المهندس مهدي شمران بمناسبة ذكرى استشهاد شقيقه الدكتور مصطفى.
فهل الكلام المنشور في المقال هو صادر فعلا عن المهندس مهدي شمران؟ أو أن التحريف قد حصل من كاتب المقال؟ أو ممن أجرى المقابلة؟ وبالتالي فإن مسؤولية نشر المواضيع غير الدقيقة ستقع على عاتق مديري الموقع بما تتركه من أثر على المصداقية.
لأن ما نشر في المقال عن الشهيد شمران لا ينسجم اطلاقا مع الغايات والاهداف الموضوعة والمعلنة لهذا المركز.
ولذا صار لزاما عليّ أن أضع النقاط على الحروف تصحيحا للتاريخ من الخطأ او التزوير، مؤكدا على مسألة أساسية وهي أن المنطلق لمن يكتب التاريخ او يترجم نصوصه أن يتحلى بصفتين هما: الكفاءة والأمانة، وأي خلل في إحدى هاتين الصفتين أو كلتيهما سيؤدي حتما الى نقل صورة مشوهة عن وقائع التاريخ، بل ومعكوسة ومضرة ومحرفة في أحيان أخر، فإن كان ذلك الخلل ناتجا عن جهل فهو نقص في الكفاءة، وإن كان عن عمد فهو الخيانة.
وفي كلتا الحالتين يتوجب على من يعرف الحقيقة أن يظهرها حفاظا على نقاوة التاريخ وصدقه، وهو ما يعنيني فيما يتعلق بالمقال الذي نشر عن الدكتور مصطفى شمران، وفي ترجمة الكتاب المشار اليه ..
وسآخذ من فقرة دقيقة وردت في المقال، في وصف الشهيد شمران تقول عنه: كانت أبرز سمات شخصيته نقده النقي والصادق، منطلقا منها لما سأدونه من نقد نقي صادق.
وسأبدأ بنقل نص المقال المنشور: في معهد الدراسات والبحوث السياسية باللغة الفارسية والمنشور على الرابط التالي:
https://psri.ir/?id=t7kk5zcnwa
وعنوان المقال مورد البحث بالفارسية: ماجرای «۴۰۰ لبنانی» که شهید مصطفی چمران برای پیروزی انقلاب اسلامی آماده کرده بود، در واقع بخشی از روایت فعالیتهای او در لبنان و ارتباطش با جنبشهای شیعی آن زمان است.
وترجمته : قصة «٤٠٠ لبناني» الذين هيّأهم الشهيد مصطفى چمران لنصرة الثورة الإسلامية، تشكّل في جوهرها فصلاً من رواية نضاله في لبنان وصلاته بالحركات الشيعية آنذاك.
وبما أنني ممن عايش الشهيد شمران في محطات مهمة من تلك الفترة وكانت له مهمات حساسة، فقد لاحظت بداية في عنوان المقال تجهيلا للتنظيم الذي ينتمي اليه هؤلاء الشباب الاربعمائة، وإيهاما بوجود أكثر من حركة شيعية في ذلك الوقت.
علما أن الحقيقة الناصعة انه وفي تلك المرحلة لم يكن لدى الشيعة سوى تنظيم واحد ينتمي اليه هؤلاء..
فهل تعمد الكاتب التجهيل باسم التنظيم والايهام انهم من تنظيم آخر؟
لقد تبدل الشك باليقين وانا أقرا الفقرة التالية من المقال باللغة الفارسية:
(ودر کنار همه این موارد یک مدیر توانمند و سازنده بود و سازماندهی و تشکیلات خاصی را برای مبارزات مذهبی و سیاسی تشکیل میداد ، و در لبنان در کنار امام موسی صدر توانست حزب الله لبنان را پایهگذاری کند).
وترجمتها: ( وبالإضافة إلى كل هذه الأمور، كان إدارياً كفؤاً ، وقام بتنظيم وتأسيس تشكيلات خاصة للنضال الديني والسياسي،
وفي لبنان، إلى جانب الإمام موسى الصدر، تمكن من تأسيس حزب الله في لبنان).
استوقفتني هذه الفقرة كثيرا إذ لم يعد من شك في أن التجهيل والايهام كان مقصودا، وتساءلت قائلا: إن من سيقرأها من الأجيال القادمة، سيفهم منها بلا شك أمرا أساسيا وهو أن تنظيم حزب الله في لبنان كان من تأسيس الشهيد مصطفى شمران والامام موسى الصدر!!
فماذا تعني نسبة الشيء الى غير صاحبه!!.. بمعزل عن الشيء وتقييمه!!!..
لأن الذي سيبحث في تاريخ هاتين الشخصيتين في عصرنا الحاضر او المستقبل فإنه سيعرف أن الامام موسى الصدر قد تم اختطافه وتغييبه في ليبيا يوم 31 آب من عام 1978 م على يد معمر القذافي ونظامه، أي قبل انتصار الثورة الإيرانية بستة أشهر.
وأن مصطفى شمران قد استشهد في منطقة دهلاوية بتاريخ 20 حزيران من العام 1981 أثناء مواجهته للقوات العراقية التي اجتاحت جزءا من الأراضي الإيرانية، في الوقت الذي كان الشهيد شمران قد استعان بكوادر من حركة امل للمشاركة في صد الهجوم العراقي، وفي التدريب على أساليب المقاومة الشعبية وسقط لهم شهداء، كالشهيد علي عباس وآخرون، وهؤلاء ممن كان يجهزهم للذهاب الى ايران للمساعدة في الثورة كما يتحدث عنوان المقال، وكان ذلك قبل الاجتياح الإسرائيلي الكبير للبنان والذي حصل في حزيران من العام 1982 ، فالدكتور شمران استشهد قبل الاجتياح الإسرائيلي الواسع بسنة كاملة.
في ذلك الوقت لم يكن هناك شيء اسمه تنظيم حزب الله لأن الإعلان الرسمي عن تأسيسه كان في 16 شباط من العام 1985م ففي ذاك التاريخ أصدر حزب الله أول بيان رسمي له، اذاعه السيد ابرهيم امين السيد ( والذي كان معروفا باسم السيد إبراهيم الأمين) من حسينية الشياح، بعد تخليه عن مسؤولية مكتب حركة امل في طهران والتي استلمها بعد يوسف حسين واستشهاد شمران ، وليتحول الى التنظيم الجديد ويكون اول متحدث رسمي باسم حزب الله.
وعُرف البيان باسم الرسالة المفتوحة، والتي أعلن فيها الحزب عن نفسه كحركة مقاومة إسلامية تهدف إلى تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة وطرد القوات الإسرائيلية، وتتبنى من الناحية الفكرية مرجعية السيد الخميني الدينية.
ودعا البيان إلى القضاء على النفوذ الغربي في لبنان وإقامة نظام إسلامي في لبنان، وكان الشعار المدون على راية الحزب يمثل الأدبية الفكرية للحزب الجديد وهي عبارة (الثورة الإسلامية في لبنان) قبل ان تتغير وتتبدل فيما بعد الى عبارة (المقاومة الاسلامية في لبنان).
وقد ترافق تاريخ الإعلان عن تأسيس الحزب مع حدثين:
الأول: الذكرى السنوية الأولى لاغتيال الشيخ راغب حرب، والذي نعته حركة امل عند استشهاده وقامت بتشييعه وإقامة الذكرى له، بل واعتقلت فيما بعض العناصر المتهمة باغتياله وعرضتهم في مؤتمر صحافي.
ولم يكن يومها قد تم الإعلان عن تأسيس الحزب رغم أن ما يذكر في أدبيات الحزب السياسية هو أن فكرة تأسيسه انطلقت بعد الاجتياح الإسرائيلي أواخر 82..
الثاني: الإعلان عن بدء مرحلة التحرير الأول لجنوب لبنان عندما ابتدأت القوات الاسرائيلية في ذلك التاريخ في الانسحاب من مدينة صيدا وصور وبقية المناطق في جنوب لبنان لتكمل انسحابها من معظم مناطق الجنوب اللبناني التي احتلتها في العام 1982 في 3 نيسان 1985 بإغلاقها لمعتقل انصار ونقل حوالي 1200 معتقل الى (معتقل عتليت) في فلسطين المحتلة، ولم تبق الا في منطقة الشريط الحدودي تقريبا والذي كان محتلا من العام 1978وبقي فيه لغاية 24 أيار من العام 2000م حيث كان الانسحاب الشامل.
هذان الحدثان ترافقا مع (الرسالة المفتوحة) فكيف تنسجم هذه الوقائع مع ما ورد في المقال؟ وما السبب؟ أهو تحريف؟ أم التزوير؟ أهو جهل؟ أم خيانة!!
ربما تزدحم في ذاكرتي نماذج كثيرة لأمور ووقائع لو أردت استعراضها لطال المقام، وهي في واقع الحال تبعّد الاحتمال الأول وهو الجهل بقدر ما تقرب الثاني..وتثبت أن التجهيل والايهام في العنوان، والتحريف، بل التزوير في الوقائع ليس بريئا.
هذا السلوك مما كان ينفر منه مصطفى شمران ويشمئز، بل ويتألم كثيرا بسببه إذ كان الصدق بالنسبة إليه هو الأساس في مواقفه، وخياراته، وقراراته وعلاقاته.
فماذا نصف ما كتب في هذا المقال؟ أهو أمانة؟ أم خيانة لفكر شمران؟
الموضوع الثاني: ما ورد في ترجمة كتاب لبـــنان
والمعنون: مذكرات الشهيد الدكتور مصطفى شمران في لبنان.
وقبل البدء في الحديث عن هذه الترجمة والاشكاليات عليها أود أن أقول:
إن قيمة تراث كل أمة بتاريخها، والتاريخ يتقوم بعنصرين، أحدهما عنصر يصنع التاريخ، وآخر يدون التاريخ فينقله للأجيال كما هو لكي تكتمل الصورة لدى الأجيال ويتم تقييم هذا التاريخ تقييما سليما مراعيا كل خصوصياته،
ولكن هناك قلة من الأشخاص تجسد الاثنين معا، فهي تصنع التاريخ ، وتكتبه بنقاءه، ومن هؤلاء كان الشهيد مصطفى شمران، الذي كان من صناع الحدث، ودونه في دفتره بكل أمانة، وأضاف اليه خواطره، وبالتالي فيكون التاريخ الذي شارك في صنعه مصطفى شمران وكتبه بيده ذو قيمة عالية لما فيه من خصائص.
فإذا فقدت الترجمة بعض خصائص ما دونه الكاتب فإنها ستفقد الكثير من قيمتها التاريخية وأثرها المرجو من كتابة التاريخ ونقله للأجيال..
وهذا ما أعنيه من ملاحظاتي على هذه الترجمة خاصة وأن المصدر الأساسي للنص هو بين أيدينا مما حواه كتاب لبنان باللغة الفارسية والمعتمد على ثلاثة مصادر رئيسية وهي: ما كتبه الشهيد بخط يده من مذكرات، وما تكلم به في محاضرات، وما نشره من مقالات.
وهنا تذهب بي الذاكرة حول هذا الكتاب الى قرابة ثلاثة عقود من الزمن عندما سافرت لمتابعة دراساتي في قم المشرفة، حيث التقيت هناك بأخ عزيز كنا قد ترافقنا معا في مؤسسة جبل عامل المهنية مع الشهيد شمران،
وقد كان هذا الأخ أستاذا في المؤسسة، و في نفس الوقت مسؤولا تنظيميا لحركة أمل في الجنوب، حيث كان الشهيد شمران مديرا للمؤسسة ومسؤولا تنظيميا مركزيا، وكانت لنا ذكريات كثيرة في أيام الاجتياح الإسرائيلي الأول في عام 1978، وقاد فيما بعد أول عملية خطف طائرة باسم (الصدريون) للمطالبة بكشف مصير السيد موسى الصدر ورافقه فيها ثلة: منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، كمحمد سعد وخليل جرادي وأحمد إبراهيم و .. الخ
كان هذا الأخ العزيز هو الأستاذ يوسف حسين، وهو شاب ترك بلدته بنهران في منطقة الكورة في شمال لبنان ليلتحق في العمل مع السيد موسى الصدر ويستقر في المؤسسة، وقد تسلم بعد انتصار الثورة الإيرانية وقبل استشهاد مصطفى شمران مسؤولية أول مكتب لحركة امل في طهران تم افتتاحه في تلك الفترة.
ومرت سنوات دون أن نلتقي معا، وها هي التقادير تجمعنا ثانية من جديد فألتقيه في مدينة قم حيث يقيم بعد أن تفرغ للدراسة الحوزية في تلك الفترة..
أهداني نسخة من كتاب كان قد أعيد طبعه حديثا في ايران باللغة الفارسية ويحمل اسم لبــنان، وعليه صورة الشهيد شمران، وهو عبارة عن مجموعة من مذكرات ومحاضرات ومقالات الشهيد مصطفى شمران عن بعض مراحل تواجده ونشاطه في لبنان، ومنها المرحلة التي رافقته فيها بصفتي أمينا للسر في مؤسسة جبل عامل المهنية في الوقت الذي كان يتولى يومها إدارة المدرسة التعليمية والمؤسسة المهنية، إضافة الى مسؤولياته الحركية، وكنت معه في كلتا المهمتين..
تصفحت الكتاب بشوق فوجدته قد أفرد عنوانا خاصا للحادثة الأليمة التي حصلت في بلدتنا أنصار في 30 أيلول من عام 1976، وكانت سببا لمعرفتي الأولى به عندما قدم الى منزلنا مبعوثا من السيد موسى الصدر بعد استشهاد جارتنا وقريبتنا أم فهد أم الأطفال الثلاثة عشر، وأخذ من الوالد ثوبه (دشداشته التي أصيبت يومها بثمان رصاصات دون أن يصاب بأذى ونجاه الله) ..
استذكرت عندما طلب مني في مطلع العام التالي ان أعمل معه وأستلم أمانة السر في المؤسسة في مرحلة معارك بنت جبيل والطيبة فاستجبت فرحا لطلبه..
وكان عنوان الفقرة في كتابه عن تلك الحادثة بالفارسية (حمله به شهر انصار) وترجمتها: الهجوم على بلدة أنصار..
كان هذا أول ما لفتني في الكتاب بما يحكيه من تفاصيل ووقائع وأسماء كوني ممن عايش هذه الاحداث إضافة الى غيرها من الاحداث التاريخية المهمة في جبل عامل. وسأنقل ترجمة النص الحرفي لما كتبه، مع إضافة بعض الكلمات التوضيحية التي سأضعها بين قوسين، أو في الهامش :
الهجوم على مدينة انصار (بتاريخ 30-9-1976)
تقع بلدة انصار في منطقة (محافظة) النبطية، وكانت مركز قوة للحزب الشيوعي(اللبناني)، حيث كان يتواجد فيها ما لا يقل عن سبعين عنصرا مسلحًا.
لم يكن لدينا (يقصد شباب حركة المحرومين، امل) سوى ستة عشر قطعة سلاح، وقد قاوم شبابنا لأشهر الضغوط السياسية والعسكرية والنفسية التي مارسها الحزب الشيوعي والأحزاب الأخرى. وفي نهاية المطاف، (أي في 29-9-1976) طلب سعيد، (التيم وهو) مسؤول المقاومة الفلسطينية في النبطية، (وينتمي الى ) حركة فتح وهو شيوعي، طلب أن يحضر المسؤول العسكري لحركة أمل في انصار. (الأخ أبو علي، أحمد محمود قبيسي) ليلتقيه ( في النبطية).
وبسبب التعاون (والتنسيق) بيننا وبين حركة فتح[1]، فقد اضطر المسؤول العسكري للذهاب إلى النبطية، الى مركز فتح، للقاء سعيد، لكن ذلك كان حيلة وخدعة لاعتقاله ومنعه من العودة إلى أنصار.
في الوقت نفسه، (وفي فجر اليوم التالي ليوم 30-9-1976) هاجم ثلاثمائة مقاتل من الحزب الشيوعي والأحزاب والمنظمات اليسارية المتطرفة بلدة أنصار.
قاوم بعض شباب الحركة في البداية، وقُتل ثلاثة من الشيوعيين (وحلفاءهم المهاجمين من خارج البلدة)، ثم قصفوا منازل المدافعين بمدفع عيار 75 وقذائف آر بي جي، وأفشلوا مقاومتهم بعد استخدامهم لقذائف الهاون.
( بعد ساعات من الهجوم) ، تراجع شباب الحركة من المدينة ولجأوا إلى بلدة الخرايب، وهي أقرب بلدة إلى أنصار ( يتواجد فيها عناصر لحركة أمل).
نهب المهاجمون منازل بعض الحركيين، وبعد نهب منزل مسؤول الحركة وسرقة شاحنتين محملتين بالبضائع، اعتدوا بالضرب المبرح على والده البالغ من العمر 65 عامًا. ( الحاج محمود قبيسي حتى أغمي عليه)
حاولوا قتله بإطلاق النار عليه، ، لكن النساء والأطفال ألقوا بأنفسهم عليه وحالوا دون ذلك.
أمضى الرجل المسن عدة أيام في المستشفى بسبب إصابات في الرأس.
هاجم المسلحون منزل شخص آخر يُدعى ظاهر، ( واسمه عبد الرضا الرومي حسب هويته ولكنه معروف في البلدة باسم محمود ظاهر ) لكنهم لم يعثروا عليه.
قُتلت زوجته (فجرا وهي نورا ذيب عبد الجليل)، على مرأى من أطفالها الثلاثة عشر.
ركض رجل الدين ( إمام البلدة)، الشيخ ( محمد قاسم آل) مصري، إلى الشارع مذعورًا وراح يصرخ احتجاجًا[2]
فرُمي هو الآخر برشق من رشاش حربي، واخترقت ثماني رصاصات رداءه وملابسه، لكنه نجا بأعجوبة.
واعتقل المهاجمون ثلاثة أشخاص ونقلوهم الى خارج المدينة[3].
ثم عقدوا اجتماعًا مع الأحزاب اليسارية الأخرى في حسينية أنصار وأصدروا بيانًا يطالبون فيه بما يلي:
1- ينبغي لأعضاء حركة المحرومين (أمل) إصدار بيان ضد الإمام موسى وإعلان موقف ضده.
2. يجب على الجميع (عناصر أمل) تسليم أسلحتهم إلى الأطراف المعنية (من المنظمات الفلسطينية والأحزاب اليسارية اللبنانية).
2- ينبغي عليهم (أي شباب أمل ) الذهاب إلى الجبل (جبل لبنان) للقتال ضد سوريا في صفوف الأحزاب ( اليسارية والمنظمات الفلسطينة)... وإلا فإن زوجاتهم وأطفالهم لن يكونوا بمأمن وسيهلكون!!.
وصل إلينا هذا الإنذار الغريب.
فاجتمعتُ، مع عدد من مسؤولي المنظمة (أمل)، في بلدة الخرايب لإعداد ردٍّ عليه.
تباينت الآراء، إذ أن خوفًا ورعبًا غير مسبوقين قد سيطرا على الجميع.
حتى أنّ قلةً من الناس كانوا على استعداد لكتابة بيان ضد الإمام موسى ( لوقف تلك الهجمة العنيفة من المنظمات الفلسطينية والأحزاب اليسارية).
لا شك أن هذه اللحظات حساسة وحاسمة والتي يُحدد فيها المصير وهي تحدث للجميع في أوقات وظروف مختلفة، وبالتالي يكون اتخاذ القرار فيها مهمة صعبة... لكن ثمة ما يُعين الإنسان، ألا وهو استعداده لبذل حياته وتقديم أي نوع من التضحية.
وسط تردد بعض الأصدقاء وخوفهم ورعبهم، كان جوابي حاسماً وسريعاً وواضحاً، وهو أنه علينا اتباع رسالة الحسين عليه السلام حتى لو أدت بنا الى الشهادة، وهو ما وافق عليه الجميع.
وعلى الفور، استعدّت مجموعات كانت محبطة للقيام بمهاجمة انصار (وطرد الأحزاب اليسارية والمنظمات الفلسطينية منها).
جهزتُ سيارتين على عجل بأفضل مقاتلي حركة أمل، وانطلقوا، بمساعدة مقاتلين من بلدة انصار، الى أطراف البلدة، وفي ظلمة الليل، نفذوا مناورة داخلها[4].
وكان أن فرّت القوات اليسارية، التي لم تستطع إدراك حجمهم، من البلدة خوفاً وأخلتها.
ثم ذهبتُ، برفقة اثنين من المسؤولين ( الحركيين)، إلى أبو موسى (المسؤول القيادي في فتح في جنوب لبنان وهو قائد القوات المشتركة من المنظمات الفلسطينية والأحزاب اليسارية ) في منتصف الليل لمناقشته بما يجري.
ذهبنا إلى مسؤول حركة فتح في جنوب لبنان، الذي كان يجتمع مع عدد من قادة حركة (فتح).
وعندها علمنا بأنه كان على علم ودراية بكل ما حصل من الهجوم على انصار، والطلب من شبابنا إصدار البيان (ضد السيد موسى ) وأدركنا ، بأن كل شيء تم بموافقته ورضاه وتوجيهه.
وقال بوقاحة بالغة: "إذا أردتم البقاء، فعليكم إصدار بيان ضد الإمام موسى الصدر والتعاون مع بقية الأطراف".( يقصد الأحزاب اليسارية والمنظمات الفلسطينية المهاجمة)
تخيّل أن أبو موسى، القائد العام لقوات المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان، والذي كان أكبر وأقوى وأكثر القادة الفلسطينيين فعاليةً، نظرًا لتمركز قوة المقاومة في جنوب لبنان، فضلًا عن كونه مسؤولًا عن جميع قوى الأحزاب والمنظمات اليسارية، وكان يُعتبر أقوى طاغية في جنوب لبنان. وكان أبو موسى نائبا وممثلًا لأبي صالح[5]، وهو الشيوعي، وعضو اللجنة المركزية للمقاومة الفلسطينية ( الذي ينتمي الى حركة فتح).
وقد أراد أبو موسى بكل قوته سحق حركة الإمام موسى، والنيل منه، وفصل شباب حركة المحرومين عنه، وتدمير من ثبتوا على عقيدتهم...
كان أبو موسى هذا هو من لعن في صور وأهان في مقر الإمام الصدر، عمامة الإمام موسى ومنبره وعباءته[6]، وفتح الباب للهجوم عليه...
ظننتُ أنني أقضي لحظاتي الأخيرة، ولم أجد من الصواب أن أبقى صامتًا أمام هذا الطاغية[7].
نشب جدال حاد وغير متوقع، وتساءل متعجبا: كيف يُعقل، مع كل هذه الضغوط والمخاطر، أن أتحدث إليه بكل هذه الجرأة؟.
وبخته قائلًا: "كيف تسمح لنفسك بالتصرف ضد قيادتك، أبو عمار وأبو جهاد؟ في حين أن هناك اتفاقًا تامًا بين الإمام موسى وقيادة المقاومة، أبو عمار وأبو جهاد؟ أنت تحرض ضد الإمام الصدر في الجنوب وتخالف أوامر القيادة."
رأيته يتهرب من الإجابة بالضحك والاستهزاء.
فقلت له: "ألم تأتِ إليّ قبل شهر ( الى مؤسسة جبل عامل المهنية في برج الشمالي حيث كان مقر الشهيد شمران ) أنت وكبار مسؤولي المقاومة في الجنوب تحت ضغط من قيادة المقاومة، وجلستم في غرفتي، واعتذرتم عن الماضي، وعرضتم علينا مجددًا التعاون والتنسيق الكاملين نيابةً عن المقاومة؟"
ما الذي حدث حتى تهاجم الإمام موسى مرة أخرى؟
ويتعرض شباب الحركة لمثل هذا الضغط؟ وتمارس علينا أنواع التهديد؟
أخيراً، أنهيت جدالي معه وقلت:
"كان جنوب لبنان ضد المقاومة الفلسطينية، وقد حوّل الإمام موسى، من خلال سنوات عديدة من العمل الجاد والمتواصل، الجنوب إلى مؤيد للمقاومة...
لكن هذا التهجم والتحامل منكم على الإمام الصدر سيؤدي إلى تغيير ذلك". لقد غيّر جنوب لبنان موقفه بالفعل... وأنتم مسؤولون عن هذه الهزيمة (التي تلحق بكم)..
قال بفخرٍ سخيفٍ تمامًا: "أنتم تتحدثون كثيرًا عن الإمام. سنُعيّن اثني عشر إمامًا في كل قرية[8]."
كان هذا النوع من الغرور والكبرياء وما فيه من حقائق مؤلمة هو الذي وجّه الضربة الأقوى للمقاومة الفلسطينية، لدرجة أن عموم اللبنانيين اليوم لم يعودوا مؤيدين للفلسطينيين بل صار لديهم كره لممارساتهم.
على أي حال، انتهى خلافنا بشعور كلا الطرفين بالاستياء والغضب.
ولتأكيد وجهة نظرنا، توجهتُ للقاء بقادة المقاومة (أبو عمار وأبو جهاد) في الساعة الثالثة فجراً. وجدتُ أبا جهاد في غرفة العمليات في كيفون [9]، حيث كان يقود معركة الجبل تحت وابل من الرصاص برفقة جميع كبار ضباط فتح.
استقبلنا بحفاوة بالغة، وعندما علم بالحادثة، غضب غضباً شديداً وسبّ أبو موسى وسعيد ومسؤولي الجنوب.
وفي تلك اللحظة، اتصل بجميع المسؤولين الجنوبيين لاسلكيًا وأصدر أوامر صارمة، وكتب رسالة توبيخ إلى سعيد، قائد النبطية، محملًا إياه مسؤولية جميع التحريضات...
كما اتصل بجورج حبش ( الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، وجورج حاوي زعيم الشيوعيين (الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني) وأحمد جبريل، (الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، القيادة العامة)، ونايف حواتمة (الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين)... وطلب منهم جميعًا سحب جميع القوات اليسارية من انصار[10] بحلول الساعة السابعة صباحًا...
كما اتصل بأبي عمار وأخبره بالحادثة، وقال لي إنه من الضروري أن أتحدث شخصيًا مع أبي عمار للضغط أكثر على أبي موسى حتى يقوم أبو عمار بالضغط عليه...
أخيرًا، من كيفون، توجهت إلى بيروت، مقر عمليات أبي عمار، حيث كان يجتمع مع ضباط آخرين...
وبالتالي صدرت أوامر صارمة من جانب أبي عمار لمنع أي تخريب من قبل العناصر اليسارية...
هنا نرى أن قيادة المقاومة ( والمقصود أبو عمار وأبو جهاد) كانت تحاول إيقاف الانتهاكات والاعتداءات التي يقوم بها اليسار، لكن اليسار استغل الوضع الحرج، التي كانت تعيشه المقاومة في تخريب عملها لصالح الماركسيين والشيوعيون.
كان هذا هو الترجمة الحرفية لما ورد في كتاب لبنان، للشهيد مصطفى شمران،
أما الملاحظات الأساسية التي دونتها على الترجمة العربية التي نشرت في الكتاب المشار اليه، فسأتوقف عند محاور أساسية لها أثرها في تغيير السياق والمعنى من خلال حذف بعض التفاصيل، وتغيير في معاني بعض العبارات التي تعكس الصورة وسألخصها بما يلي:
الملاحظة الاولى: في التعريف في بلدة أنصار ، ذكر الدكتور مصطفى شمران من أنها كان مركز قوة للحزب الشيوعي اللبناني، بينما تجاهل المترجم التسمية و استعاض عن ذلك بالقول من أنها كانت مركز تجمع للأحزاب اليسارية حاذفا تسمية الحزب الشيوعي من النص..
الملاحظة الثانية: في نفس الفقرة ذكر الدكتور شمران أن شبابنا قاوموا لشهور الضغوط السياسية والعسكرية والنفسية التي مارسها الحزب الشيوعي والأحزاب الأخرى، بينما عمد المترجم الى حذف تسمية الحزب الشيوعي أيضا مكتفيا بالقول انها من أحزاب اليسار.
الملاحظة الثالثة: في نفس الفقرة ذكر الشهيد شمران اسم المسؤول في حركة فتح في منطقة النبطية الذي طلب من مسؤول حركة امل في أنصار الحضور الى مكتبه في النبطية للتباحث، وأن اسمه سعيد ، ( و المعروف بسعيد التيم) إلا أن المترجم حذف اسم سعيد من النص.
الملاحظة الرابعة: في فقرة أخرى ذكر الدكتور شمران ان ثلاثماية مقاتل من الحزب الشيوعي والأحزاب والمنظمات اليسارية المتطرفة هاجمت بلدة أنصار.. بينما حذف المترجم اسم الحزب الشيوعي.
الملاحظة الخامسة: يذكر الشهيد شمران اسم العنصر الشاب الحركي الذي هوجم منزله وقتلت زوجته امام اطفالها الثلاثة عشر، والمعروف باسم ظاهر.. الا أن المترجم تجاهل الاسم نهائيا مكتفيا بالقول انهم عمدوا الى مداهمة منزل آخر.
الملاحظة السادسة: بعد مقتل زوجة الحركي وهي الام لثلاثة عشر طفلا يذكر الشهيد شمران اسم إمام البلدة الذي خرج لمواجهتم باسم مصري، وهو سماحة الوالد الشيخ محمد قاسم مصري، إلا أن المترجم يتجاهل الاسم تماما ويقول: قام شيخ القرية بالنزول الى الشارع والاعتراض عليهم.
الملاحظة السابعة: بعد الإنذار الذي وجهته الأحزاب اليسارية والمنظمات الفلسطينية التي اجتمعت في النادي الحسيني في انصار لشباب حركة المحرومين أمل، عقد الشهيد شمران اجتماعا في بلدة الخرايب القريبة من انصار فيذكر الشهيد شمران عن ذلك ما نصه: جهزت سيارتين على عجل بأفضل مقاتلي حركة امل وانطلقوا بمساعدة مقاتلين من بلدة انصار الى اطراف البلدة..
بينما يقول المترجم : فعمدنا بسرعة إلى تجهيز سيارتين وأرسلنا فيهما مجموعة من خيرة شبابنا المقاتلين في الليل إلى أنصار، متجاهلا صفة هؤلاء الشباب المقاتلين من أنهم أفضل مقاتلي حركة امل وبمساعدة مقاتلين من بلدة انصار.
الملاحظة الثامنة: يقول الشهيد شمران: ثم ذهبت برفقة اثنين من المسؤولين ( الحركيين ) الى أبي موسى.. بينما يغير المترجم المعنى ويقول: وعمد مسؤولين منهم ... على الذهاب إلى أبو موسى ... وعقدوا اجتماعاً مع عدة من قيادي فتح هناك..
فيتجاهل المترجم ان الذي ذهب ليلا لمناقشة أبو موسى كان الدكتور شمران بنفسه ومعه اثنان من المسؤولين..
الملاحظة التاسعة: في نفس الفقرة يصف الشهيد شمران أبا موسى بأنه كان يعتبر أقوى طاغية في جنوب لبنان، بينما يحذف المترجم هذا الوصف.
الملاحظة العاشرة: ذكر الشهيد شمران عن ابي موسى: كان أبو موسى هذا هو من لعن في صور وأهان في مقر الإمام الصدر، عمامة الإمام موسى ومنبره وعباءته. بينما عمد المترجم الى حذف كلمة اللعن واستعاض عنها بكلمة تهجم..
الملاحظة الحادية عشر: يصف الدكتور شمران حالته بعد ان استمع الى كلام ابي موسى واساءاته بالقول: ظننتُ أنني أقضي لحظاتي الأخيرة، ولم أجد من الصواب أن أبقى صامتًا أمام هذا الطاغية.. بينما يبدل المترجم المعنى بالقول: كنت أظن أنه لن يتاح لي التكلم في محضر هذا الإنسان المتعنت.
الملاحظة الثانية عشر: يقول الشهيد شمران عن ذاك الجدال بينه وبين ابي موسى: وبخته قائلًا: "كيف تسمح لنفسك بالتصرف ضد قيادتك؟ بينما استخدم المترجم عبارة : قمت بمعاتبته قائلاً له : كيف تجيز لنفسك أن تقف ضد قادتك..
وكم من فرق بين عبارة التوبيخ الذي كان يتوقع الدكتور شمران ان تصل الى قتله؟ وبين عبارة العتاب! فكم تغير هذه الترجمة من المعنى الحقيقي؟
الملاحظة الثالثة عشرة: يذكر الشهيد شمران في سياق الحوار الحاد مع ابي موسى : فقلت له: "ألم تأتِ إليّ قبل شهر ( أي الى مؤسسة جبل عامل المهنية في برج الشمالي حيث كان مقر الشهيد شمران ) أنت وكبار مسؤولي المقاومة في الجنوب تحت ضغط من قيادة المقاومة، وجلستم في غرفتي، واعتذرتم عن الماضي، وعرضتم علينا مجددًا التعاون والتنسيق الكاملين نيابةً عن المقاومة؟"
بينما يعمد المترجم الى حذف وتغيير في الجملة بحيث يؤدي الى تغيير المعنى رأسا على عقب ، فيقول: فكان منه أن أجابني بكل استهزاء وامتهان: ألم تأت أنت منذ عدة أشهر إلى مكتبي وقمت بالجلوس مع مجموعة من مسؤولي المقاومة واعتذرت وطلبت التعاون والتنسيق الكامل معنا ؟ ...
وهنا يبرز خلل كبير في الترجمة إذ يؤدي الى قلب المعنى رأسا على عقب، فالكلام الذي قاله الدكتور شمران لابي موسى أنك اتيت الى مكتبي قبل شهر مع مسؤولين من قيادة المقاومة واعتذرتم، نجد ان المترجم ينسب هذا القول الى ابي موسى.
الملاحظة الرابعة عشر.. يذكر الشهيد شمران ان أبا جهاد عندما استقبله في تلك الليلة في كيفون: سب أبا موسى وسعيد ومسؤولي الجنوب.. بينما ينقل المترجم صورة أخرى بالقول عن ابي جهاد بأنه: راح يلوم وينتقد كلا من أبو موسى وغيره من القادة المتواجدين في الجنوب.
الملاحظة الخامسة عشر: في نفس الفقرة ينقل الشهيد شمران بأن أبا جهاد اتصل بجميع المسؤولين الجنوبيين لاسلكيا .. وكتب رسالة توبيخ الى سعيد..
بينما يقول المترجم : أنه تواصل مع القادة و الكوادر في الجنوب، وعاتب بشدة المسؤول في النبطية دون ان يذكر اسمه..
الملاحظة السادسة عشرة : يقول الشهيد شمران عن ابي جهاد : كما اتصل بأبي عمار وأخبره بالحادثة، وقال لي إنه من الضروري أن أتحدث شخصيًا مع أبي عمار للضغط أكثر على أبي موسى حتى يقوم أبو عمار بالضغط عليه...
بينما يقول المترجم: وقام أيضاً ( أبو جهاد) بالاتصال بأبو عمار ... وطلب منه إعمال ضغط أكبر على القيادي أبو موسى، وأنا بدوري تحدثت مع أبو عمار أيضاً وطلبت منه ذلك ...
فكم يتغير المعنى بين النص الأساس والترجمة؟
الملاحظة السابعة عشر: في الفقرة الأخيرة مما كتبه الشهيد شمران عن هذا الموضوع يقول: لكن اليسار استغل الوضع الحرج، التي كانت تعيشه المقاومة في تخريب عملها لصالح الماركسيين والشيوعيون.
بينما يتجاهل المترجم الإشارة الى الماركسيين والشيوعيين فيقول: ولكن في المقابل كانت أطراف اليسار تسعى إلى الاستفادة من حالة التضعضع التي كانت تعيشها المقاومة وبالتالي كانت تستخدم عناصر وكيان المقاومة لمحاربة ومجابهة قيادة المقاومة.
والسؤال الذي يطرح هنا : إن كان مقال واحد في الكتاب قد دونت عليه 17 ملاحظة، فلو أردت مراجعة الكتاب بأكمله فكم ستكون الملاحظات؟
وبالتالي ما هو حجم التغيير والتبديل في المعنى الذي سيصل الى ذهن القارئ من خلال قراءة النسخة المترجمة؟
والسؤال الأبرز : هل أن هذا الخلل بالترجمة هو مجرد أخطاء واستحسانات من المترجم؟ أم أن هناك أشياء قد حصلت عن عمد وقصد من خلال تجاهل أسماء لها دور أساسي في هذا الموضوع؟
واذا ربطنا بين هذه الملاحظات هنا وما سبق وتحدثت عنه في الموضوع الأول الذي يتناول المقال الذي نشر في موقع مركز البحوث والدراسات السياسية عندها نستطيع ان نفهم تماما أن تجهيل صفة الأربعمائة لبناني في عنوان ذاك المقال لم يكن الا امرا مقصودا يهدف الى حذف حقائق من التاريخ ، ونسبتها الى آخرين لم يكن لهم وجود، وبذلك ينطبق على ذلك قوله تعالى في الاية 188 من سورة آل عمران: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ.
فالخلاصة من خلال التدقيق في نص المقال وما ورد في الترجمة العربية للكتاب يتضح ما يلي:
أولا: هناك تجهيل مقصود لأسماء وأشخاص وعناوين في المقال او في الكتاب المترجم.
ثانيا: هناك نسبة أشياء لغير أصحابها.
ثالثا: هناك أخطاء في الترجمة تغير كثيرا من المعاني.
رابعا: ما حصل من أخطاء هو أمر مقصود لغاية في ذهن الفاعل وليس حصل نتيجة سهو أو جهل.
خامسا: نتيجة هذا الفعل هو تزوير و خيانة لفكر وثقافة وسلوك الشهيد مصطفى شمران.
سادسا: يتعين على من يعنيهم الامر القيام بالتصحيح وكشف حقيقة التحريف.
حفاظا على قدسية الأمانة..فالتاريخ الناصع لا يقبل الا الامانة..
أختم مقالي مستذكرا حديثا جرى منذ سنوات بيني وبين الأخ يوسف حسين إذ قال لي أن هناك شخصا وهو فلان .. سيتصل بك ويحضر لزيارتك ويعرض عليك ترجمة كتاب لبنان لمراجعته كونك ممن عايش الدكتور شمران في تلك المرحلة..
وبعد أن عدت وقتها الى قم أخبرته بأنه لم يتصل أحد ولم يحضر وماذا حصل؟ أجابني انه لم يسمح في تلك الفترة بنشر الترجمة لاعتبارات..!!
نعم لقد أدركت الان .. ان التجهيل والتحريف والتغيير ليس بريئا، بل لاعتبارات.. لكن هذا هو الخيانة لفكر مصطفى شمران.
رحم الله مصطفى شمران فقد كان من أولئك الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم..
والى روحه ثواب الفاتحة
[1] (لناحية التدريب العسكري لشباب امل في عدة معسكرات وأبرزها ما أدى الى حادث أليم بحصول انفجار في معسكر التدريب في منطقة جنتا بالقرب من النبي شيث في منطقة بعلبك، في تموز 1975 وادى الى سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى وبينهم مدرب عسكري ينتمي الى فتح، مما جعل السيد موسى الصدر يعلن وبشكل رسمي عن ولادة تنظيم عسكري تابع لحركة المحرومين يحمل اسم أفواج المقاومة اللبنانية واختصارا بكلمة امل ، وفي مطلع سنة 1976 كان قد توفي مدرب آخر واسمه مجاهد الضامن كان برفقة الشهيد حسين الحسيني في حادث بالقرب من مفترق الخرايب ويعتقد انه كان مدبرا بواسطة جيب عسكري تابع لجبهة التحرير العربية، البعث العراقي)
[2] ( بعدما سمع صراخ الأطفال وشاهد الضحية تتخبط بدمها وهي ابنة عمته، وزوجها ابن عمته الاخرى طالبا من بعض الجيران إحضار سيارة لمحاولة نقل الضحية الى المستشفى علّها تكون على قيد الحياة ويمكن انقاذها، ولكن دون نتيجة).
[3] (وهم فريد عاصي، ومحمود سرحان عاصي، وأما الحاج محمود قبيسي فقد نقل الى المستشفى)
[4] فتم اشعال مشاعل نار في أكثر من تلة محيطة ببلدة أنصار لناحية الزرارية ، الخرايب، مع اطلاق طلقات نارية من نوع خطاط
[5] (ابو صالح هو أحد مؤسسي حركة فتح وهو نمر صالح، فلسطيني وُلد في جنوب يافا، وكان من أبرز الشخصيات في التيار اليساري داخل الحركة. شغل منصب نائب القائد العام لقوات العاصفة الجناح العسكري لفتح وكان أيضًا عضوًا في اللجنة المركزية للحركة)
[6] ويأتي هذا الموقف كرد على الموقف الذي سبق للامام الصدر ان أعلنه رافضاً انزلاق المقاومة الفلسطينية في مستنقع الأزمة اللبنانية، وأن تستغل من أي طرف لبناني، بكلمته المشهورة «إن السند الحقيقي للثورة الفلسطينية هو عمامتي ومحرابي ومنبري»،
[7] اذ كان يتوقع ان يصل الامر بأبي موسى للإقدام على قتله، إذ لم يكن أحد يجرأ على معارضة طغيانهم.
[8] ولم يكن كلام أبو موسى من فراغ إذ كان يعتمد على عدد من رجال الدين الذين كانوا يتعاونون بشكل مباشر معهم ويتلقون الدعم المفتوح منهم.
[9] ( وهي بلدة ذات أكثرية شيعية في جبل لبنان تطل على مدينة بيروت )
[10] وهي القوى التي شاركت بشكل مباشر في الهجوم على بلدة أنصار.