• الموقع : كتاباتي- صفحة الشيخ مصطفى مصري العاملي .
        • القسم الرئيسي : كتاباتي .
              • القسم الفرعي : خواطر .
                    • الموضوع : ثلاث وثلاثون سنة وازدادوا عاما .

ثلاث وثلاثون سنة وازدادوا عاما

عصر أمس الجمعة لبيت دعوة سماحة السيد احمد الصافي الأمين العام للعتبة العباسية المطهرة ،  لحضور حفل اختتام الدورات القرآنية الصيفية لهذا العام في الصحن الشريف لحرم ابي الفضل العباس في مدينة كربلاء.

       ما أن جلسنا نتناول أطراف الحديث حتى شدنا البرعم طه خالد بقراءته المميزة للقرآن الكريم فصار موضوعا لحديثنا بقراءته وأداءه وصوته.

       أثناء تلك القراءة وقبل ان يقدم العريف الموهوب السيد علاء الموسوي سماحة السيد الصافي لإلقاء كلمته كان نظري يتوقف عند الخلفية الجدارية خلف المنبر التي قرأت عليها عبارة " معهد القرآن الكريم "

ذهب بي الخيال سريعا الى سنوات خلت عندما كان سماحة الوالد حفظه الله قد عمل حينها على انجاز تصميم لبناء معهد أراد إنشاءه على ثلاث دونمات من البستان في ( جل القدوم) ورغب بإطلاق تسمية  " معهد القرآن الكريم " عليه، وأراد أن يكون عن روح أختي الشهيدة فاطمة، تخليدا لذكراها، ووفاء لنشاطها.

ولم يكتف الوالد بإنجاز الخرائط وإطلاق التسمية على المشروع بل شرع بالبناء ، ولكن لم تسمح الظروف بإكماله فبقي ما أنجز هيكلا تستعمل بعض غرفه لراحته عندما يذهب ويعمل بالزراعة في البستان بعيدا عن صخب الأيام ، وقبل ان يتحول ذاك البناء الى ما يرتبط بخدمة البستان.

ذهبت بي تلك الخاطرة الى معهد آخر ومكان آخر.. وتاريخ آخر..

إنه " معهد فتاة الزهراء" الذي أدارته يوما فتاة لم يزد عمرها عن خمسة عشر ربيعا ، وكان مكان المعهد في بيت جيراننا الذي كان قيد البناء ، بيت أبو خليل عاصي، فكان مركزا لمحو الامية لأمهات وفتيات لم تسمح لهن الظروف بالتعلم فصرن يكتبن ويقرأن، ومركزا لتعليم الخياطة والتدبير المنزلي لهن، ولا تزال بعض التجهيزات سليمة رغم كل ما مرَ.

أما ذاك التاريخ فكان في ذاك اليوم الأليم ، الثاني عشر من شهر  أيلول من عام 1981 عندما برز غدر الانسان الذي غيَّر المسار.

لقد انطفأ نور تلك الشمعة  في ذاك اليوم..

في مثل هذه الساعة تماما من ذاك التاريخ والى هذه الساعة في اليوم الثاني عشر من شهر  أيلول من عام 2014 يكون قد مضى ثلاث وثلاثون سنة بالتمام والكمال وفق التقويم الشمسي الميلادي.

اما وفق التقويم القمري الهجري فقد ازدادت تلك الأعوام سنة ويومان، فصارت اربع وثلاثون سنة.

كانت تلك الساعة من عصر يوم السبت الرابع عشر من شهر ذي القعدة من عام 1401 هي الساعة الأخيرة التي اسمع فيه صوت فاطمة وهي تنبهني الى الخطر الداهم لحظة وصولي الى المنزل قائلة..

إن فلانا جالس أمام شرفة منزلهم منذ الصباح للمرة الأولى منذ الشهر الماضي تاريخ المعركة السابقة، وهو يرصد المنزل، فخذ حذرك يا أخي..

في مثل هذه الساعة تماما تغير مسار الاحداث.. وتغير التاريخ..

تحذيرات فاطمة انقذتنا جميعا مما خطط له أولئك المنحرفون طوال شهر من الزمن فلم يخرج الوالد الى المسجد كعادته في هذا الوقت من كل يوم، ولم يتمكن المجرمون من تنفيذ خطة الاغتيال المرسومة وتلاشت كل خططهم وذهب كل كيدهم وتغير مسار الاحداث.

       ولكن ما لم يكن يومها بالحسبان هو ان تذهب فاطمة شهيدة، محققة أمنية كانت تحلم بها، وتحدث بها أمها التي كانت تحاول نهرها عن ذاك الكلام.

فغابت فاطمة عنا بجسدها ، ولكن هيهات هيهات أن تغادرنا فاطمة..

في الساعة الخامسة والثلث من عصر يوم الجمعة الثاني عشر من شهر أيلول من عام 2014 كنت اقدم الشهادات التقديرية لأساتذة معهد القرآن الكريم في العتبة العباسية المطهرة.

قبالة الحرم المطهر مع ابتسامة رقيقة، وفي نفس تلك الساعة استذكر كل تلك الخواطر، وأحبس في عيني دمعة سرعان ما تذرفها العين بعد أن ننهي الحفل وأرى أم محمد وهي تقول لي سأدخل لأزور نيابة عن فاطمة ..

دخلت الى حرم العباس عليه السلام، صليت ركعتين بعد الزيارة ، وما أن هممت بالخروج وأنا امسح دموعي حتى تذكرت أبا سامي، الذي اهدته فاطمة نسختها من القرآن الكريم ذو الخط الكبير.

 أبو سامي الذي كان جالسا في محل ابي جميل منتظرا وصول الوالد لكي يرافقه الى المسجد ، كان شاهدا على أولئك المسلحين الذين خرجوا من مخابئهم بعد أن تأخر وصول الوالد وابتدأت حينها المعركة فكان قربانا على مذبح الكرامة في ذاك اليوم الأليم..

صليت ركعتين اهديت ثوابهما الى ابي سامي، وخرجت ومعي ام محمد الى مقام الامام الحسين عليه السلام..

وعند الحسين حديث آخر.. زيارة وصلاة فالدموع عند الحسين لها حرارة  ليس مثلها حرارة.

في مثل هذه الساعة يا اختاه و بعد أن توقفت المعركة يومها منذ ثلاث ساعات وبعد أن عثرنا فيها على جثمانك الذي شوهته يد الحقد والكراهية والاجرام على يد اللقطاء الانذال ..

أختم حديثي معك يا اختاه من كربلاء الحسين.

 والى روحك يا فاطمة  اهديك في هذه الساعة الفاتحة.

 


  • المصدر : http://www.kitabati.net/subject.php?id=167
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2014 / 09 / 13
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 02 / 22