• الموقع : كتاباتي- صفحة الشيخ مصطفى مصري العاملي .
        • القسم الرئيسي : كتاباتي .
              • القسم الفرعي : لماذا نقول يا حسين ؟ .
                    • الموضوع : الحلقة الخامسة .

الحلقة الخامسة

بسم الله الرحمن الرحيم 
لماذا يقول النبي وأنا من حسين ؟
خلاصة ما مر في الحلقات الاربع  مقدمة لبحثنا لماذا نقول يا حسين هو : أنه قد ثبت عند جميع المسلمين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قال ( حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا ) وأن المقصود بهذه الكلمة هو بطل كربلاء الحسين بن علي بن أبي طالب ، ابن فاطمة الزهراء بنت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم  ، وبينا أن النبي لا ينطق عن الهوى ، وأن فقرات ذاك الحديث واضحة المعاني باستثناء ( وأنا من حسين ) لعدم وجود معنى ظاهر ، وهو ما يحتم وجود معنى مقصود من كلام النبي  لأن كلامه ( وحي يوحى )وطرحنا احتمالا لذلك و هو أن الحسين عليه السلام في حركته قد أسس لاستمرار الرسالة (من خلال طلبه للاصلاح في أمه جده )التي أتى بها النبي محمد  ، وهو ما كان يعلم النبي حدوثه ، كما كان قد أخبر عن كربلاء ، وعما سيحدث فيها منذ ولادة الحسين عليه السلام .
وبحثنا اليوم هو هل يوجد معنى آخر يفهم من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ و ما هو الدليل على هذا الفهم ؟ وبالتالي ماذا يترتب على ذلك ؟
لا بد  من أجل الوصول الى الاجابة العلمية والمنطقية الصحيحة على هذه التساؤلات أن ندرس الظروف التاريخية والعملية التي عاشتها الرسالة الاسلامية منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وصولا الى المرحلة التي جعلت الحسين عليه السلام يقدم نفسه وأهل بيته وأصحابه قربانا على ساحة كربلاء في معركة لا يشك فيها إنسان بأن الغلبة من الناحية العسكرية ستكون لصالح من هم أكثر جندا وعددا ، وهم المعسكر المعادي للحسين عليه السلام ، وفهمنا لهذه المرحلة يساعدنا على الوصول الى نتيجة ما نبحث عنه من التقييم الواقعي لحركة الحسين عليه السلام ، ومن دراسة نتائجها ، وبالتالي فهم معنى كلمة النبي ( وأنا من حسين ) تمهيدا لمعرفة ما يترتب على ذلك من آثار ونتائج . وهذا يحتاج الى بحث من عدة نواحي سنتعرض لها تباعا انشاء الله :
الناحية التاريخية : من الواضح تاريخيا أن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان قد انتقل الى جوار ربه في السنة الحادية عشرة للهجرة النبوية الشريفة بعد حجة الوداع في المدينة المنورة ، وكان عمر الحسين عليه السلام لا يتعدى السبع سنوات في ذلك الوقت ، وأن تحرك الحسين عليه السلام كان في نهاية سنة ستين للهجرة و شهادته في الايام الاولى من العام واحد وستون للهجرة في أرض كربلاء التي تبعد عن الكوفة أقل من مائة كيلو متر - باصطلاحنا الحديث لتحديد المسافات _ بعد ان ترك المدينة الى مكة ثم ترك مكة قبل أن يتم الحجيج حجهم متوجها الى أرض العراق  قاطعة المسافات الشاسعة ، وهذا يعني أن عمر الحسين عليه السلام عند شهادته كان ست وخمسون سنة .فهل هناك ربط بين ما كان يقوله النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الحسين وهو لا يزال طفلا صغيرا ، وبين ما أقدم عليه الحسين  عليه السلام في كربلاء؟
الناحية الجغرافية للكيان الاسلامي : من الواضح أيضا لكل مطلع أو متتبع أن حدود كيان الدولة الاسلامية التي كانت عند وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يتعدى شبه الجزيرة العربية _ ضمن المصطلح الحديث للتسمية _ من المدينة الى مكة الى اليمن ، وهذه هي التي كانت تشكل المدن الرئيسية للجزيرة العربية ، بينما كانت حدود هذه الدولة قد توسعت في سنة ستين للهجرة لتشمل مساحات شاسعة بحيث ضمت اليها أراضي العراق والشام وفلسطين  وصولا الى أراضي فارس  ، وهو ما يشكل توسعا كبيرا من الناحية الجغرافية بحيث كانت هذه الدولة قد حسمت أمرها في بلاد العرب وأصبحت على تماس مع أكبر قوتين في ذاك العصر الامبراطورية الفارسية وملكها كسرى ، والامبراطورية الرومانية وملكها قيصر ، و تحققت انتصارات كبيرة أدت الى تلك التوسعة في البلاد الاسلامية .
الناحية الديمغرافية : ويقصد بها التنوع البشري في هذه الدولة ، إذ نتيجة لهذه الفتوحات التي حصلت على مدى خمسين سنة فقد انظم الى المسلمين اقوام متعددون من جنسيات مختلفة ومن قوميات متعددة ، سواء ممن أسلم بعد الانتصارات من سكان هذه المناطق ، او من العبيد الذين أسروا ثم أسلموا وأصبحوا من ضمن الكيان الاسلامي الواحد ،
الناحية السياسية : كان قد نصب في الشام بعد موت معاوية بن أبي سفيان ابنه يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، وجدته هند بنت عتبة ، كان قد نصب خليفة على المسلمين  من خلال وصية معاوية بذلك ، وهو ما شكل صدمة في الوجدان الاسلامي للامة التي أصبحت مترامية الاطراف ، ولكن هذا الوجدان كان قد صار باهتا وغير ذي أثر نتيجة التراكمات والازمات التي عصفت بمستوى نظام الحكم خلال العقود الخمسة المنصرمة على وفاة الرسول  والتي بدأت بفرض حاكم على المسلمين عين خليفة  هو الخليفة الاول ، أبو بكر الذي اعتبره بعض المسلمين خليفة شرعيا نتيجة لاختيار المسلمين له ، واعتبره آخرون خليفة غير شرعي لما رافق هذا التنصيب من إشكالات متعددة ، ولم يستمر حكمه لاكثر من فترة قصيرة ، خاض فيها عدة حروب أبرزها حروب الردة . ثم الخليفة الثاني عمر بن الخطاب والذي طالت فترة حكمه الى ما يقرب من عقدين من السنين وشهدت عصر الفتوحات ، مع ما رافق تلك الفترة من تبدلات في نظام الحكم والادارة في الاسلام نتيجة لما امتاز به عمر من سلوك خاص ، ورؤيا خاصة تركت طابعها على المجتمع الاسلامي ، وبعد أن قتل كان الامر لعثمان ، الذي ازدادت في عصره الاضطرابات الداخلية الى أن حصلت عليه ثورة وقتل بعد حكم استمر للعدة سنوات  ، ومنع من دفنه لآيام ، ثم سمح بدفنه في مقبرة اليهود  في المدينة المنورة ، وبعد ذلك استلم الحكم الامام علي بن أبي طالب - أي بعد اربع وعشرين عاما من وفاة الرسول ، و الذي واجه حالات تمرد وعصيان وانقلاب عليه فخاض عدة معارك ، وكان أن استشهد في السنة الخامسة من حكمه ، ولم يطل الامر بالحسن عليه السلام حتى صالح معاوية بن أبي سفيان بعد أن لمس الخيانة في جيشه ، واستمر حكم معاوية بعد ذلك عشر سنين الى أن أوصى به الى ابنه يزيد ،
هذا الاستعراض الموجز للوضع السياسي والتقلبات التي حصلت خلال خمسين عام  يفتح الباب أمامنا من أجل ملاحظتها من ناحية أثرها على تعاليم الاسلام الحنيف الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو ما يجب أن نسلط عليه الضوء لمعرفة مدى الانحراف الذي أصاب هذا الكيان  بحيث  استدعى الامر أن تعالج الامور ضمن قاعدة تقديم الأهم على المهم ، وبالتنازل عن حقوق ومواقف في سبيل الحفاظ على الكيان الاساس ، فهل كان الحسين عليه السلام ملزما بتغيير نمط التعاطي مع الحالة التي كانت قائمة في المجتمع الاسلامي ؟،ويشكل بعمله تحولا كان لا بد منه في زمانه ؟، ولم تكن الظروف قبله قد وصلت الى هذا المستوى من قبل ، مما يحتم عليه القيام بحركة عنيفة تحرك ذاك الشعور الذي أصبح باهتا في وجدان الامة الاسلامية ،
وماذا لو لم يتحرك الحسين عليه السلام ؟ وما هي الآثار التي كانت سترتب على مثل هكذا موقف ؟
هذا ما سنحاول التحدث عنه في الحلقة السادسة إنشاء الله لنتعرف على مدى أهمية دور الامام الحسين عليه السلام  ، ودرجة حساسيته بحيث انه لو تخلف عن هذا الدور لكانت قد انتهت الرسالة المحمدية الى استحكام حالة الانحراف والتي يستحيل بعدها التقويم  كما حصل في الرسالات السابقة ، فإذا ثبت هذا من خلال القراءة التاريخية المعمقة لتلك الفترة فإننا نصل الى تبيان الدور المهم الذي اضطلع به الحسين عليه السلام ليكون مجددا وحافظا لدين جده ليستحق أن يقول فيه صلى الله عليه وآله وسلم ( وأنا من حسين )
وهذا ما سنبحثه انشاء الله في الحلقة القادمة . 

  • المصدر : http://www.kitabati.net/subject.php?id=14
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2005 / 12 / 01
  • تاريخ الطباعة : 2025 / 04 / 4