• الموقع : كتاباتي- صفحة الشيخ مصطفى مصري العاملي .
        • القسم الرئيسي : كتاباتي .
              • القسم الفرعي : مقالات .
                    • الموضوع : المرض القاتل؟ .

المرض القاتل؟

   المرض القاتل؟

اعتدت في كتاباتي ان اذكر الأشياء بأسمائها الصريحة

وأحيانا استعمل الكناية التي تكون لها دلالتها على الأشياء بما يشبه دلالة الصريح عند من يعنيهم الامر، او من يجب ان تصل اليهم الرسالة..

اما اليوم فقد اخترت ان اكتب موضوعي هذا من دون تصريح ولا كناية..

وليس ذاك تهربا.. بل لما أستشعره من أن ما سأتحدث عنه لم يعد مجرد حالات فردية في المجتمع نرغب بالحديث عنها وبتسليط الضوء عليها لأخذ العبر، فنذكر الأسماء والأشخاص للتدليل على ذلك،  بل هي حالة مستشرية في مجتمعاتنا، تستوجب إعادة الحسابات و دق ناقوس الخطر.

وبالطبع لا يظنن أحد أنني متشائم، فأنا لست كذلك، اذ أنني لا زلت أعيش التفاؤل وأنا أرى بارقة الامل التي تضيئ الدرب الطويل رغم الظلام الدامس، فكلما ازداد الظلام كلما ازداد بريق الامل..

تماما كتلك الصورة التي حفرتها يوما على حجر تحول الى ايقونة  تحمل الأمل بالغد المشرق...

في ذاك اليوم الذي كنت فيه معتقلا عند الإسرائيليين اثناء احتلالهم لبلدي ، فكانت تلك الصورة التي تبرز شعاع انكسار القيد من بين الاسلاك الشائكة التي تتهاوى وتضمحل من ذاك الشعاع ...

في تلك الأيام.. كانت هناك إرادة تواجه حالة اليأس والإحباط،  وصلابة ناتجة عن ايمان راسخ ويقين بالانتصار لأننا آمنا بقوله تعالى ..

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ..

ووعدنا في ذلك الحسنى والخلاص .. إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا..

وانكسر القيد  وتحررت البلاد، رغم الحالة المهترئة التي كانت تعيشها الأمة المنكوبة بثقافتها وزعمائها .. اذ كَمَا تَكُونُوا يُولَّى عَـلَيْكُم،  

وتحقق الانتصار... ولكن؟؟؟

واليوم لا زلت أرى شعاعا من بين طبقات الظلام الدامس..

فأنا لست متشائما على طول المدى.. ولكني أتأمل و اتوقف عند العوائق التي تتحول الى حواجز، والحواجز التي تصل الى مرتبة الموانع..

اذ أن هدفنا كرساليين كان وسيبقى.. ان لا توقف تلك العوائق مسيرتنا، ولا تمنعنا تلك الحواجز عن العبور الى الغد الأفضل، ولا نستسلم للموانع التي تقطع الطريق.. وحينها نصل الى المبتغى، رغم كل المعاناة والتعب والتضحيات..

ولكنني بدأت استشعر الخوف من أمر آخر..

لست خائفا من عوائق او حواجز من هنا او هناك  بل خائف من أن نصاب بما يمكن أن أسميه ...المرض القاتل..

إن الامراض تعيق نمو الأجسام الحية وتفتك بها ولكنها لا تؤثر في الجماد ولا الأموات..

وعندما يصيب المرض جسم انسان او بعض اعضاءه  فإن وضائف هذا الجسد يصيبها الخلل بقدر استحكام هذا المرض بها..

فقد يفقد الانسان بصره نتيجة مرض يصيب عينيه فيصير اعمى ولكنه لا يفقد الحياة، بل ربما يتمتع بقدرة استثنائية في حاسة اخرى،

وقد يفقد القدرة على استعمال بعض حواس الجسد، وقد يصاب بآلام تمنعه من الحركة كما يرغب، او من التفكير او القيام بما يريد من اعمال فيصبح طريح الفراش او عاجزا عن تحقيق ما يرغب..

وعندما تصاب الأشجار والمزروعات بأمراض فانها تفقد القدرة على انتاج الثمر الذي يحتاجه الانسان، او أنها لا تنتج المقدار المتوقع منها، او المواصفات المرغوبة..

والانسان بطبعه يأبى الاستسلام لتلك العوامل فنراه يعمل جاهدا للتغلب على تلك الامراض سواء تلك التي تصيب جسده او تصيب الكائنات الحية التي يستفيد منها في حياته، وهو في ذلك يحقق خطوات مستمرة نحو الامام، فنراه يحرز تقدما تلو الاخر في هذه المجالات ويبقى يكافح حتى الرمق الأخير فهو دائما يحمل املا بالتغلب على ما يعانيه من امراض او على الأقل فإنه يسعى لكي يتكيف مع ما يصيبه ليبقى حيا ويعيش أطول فترة ممكنة في هذه الحياة.

وهذا سلوك طبيعي لدى الانسان في حياته.

ولكنه تارة يعمل بدافع العقل ، وتارة بدافع الغريزة، وتارة بكليهما معا..

ولذا تختلف خيارات الناس في حياتها حسب اختلاف النتائج بين العقل والغريزة وحسب اختيار كل فرد ما يحلو له من ذلك..

                      ***

ما يستوقفني في أيامنا هو البحث عن جواب لسؤال كبير..

ماذا علينا ان نفعل عندما نرى في مجتمعاتنا مرضا فتاكا قاتلا اخطر بكثير من الامراض التي تفتك بجسد الانسان.. ؟

مرضا اخطر من امراض السرطان ونقص المناعة وانفلونزا الطيور والخنازير..

مرضا يؤدي الى تدمير البنية الفكرية والاجتماعية لمجتمعاتنا والتي من المفترض ان تكون الانموذج الحسن للمجتمعات الأخرى لأنها تنطلق في افكارها ومعقتداتها من منبع صاف زلال.. ويقع على عاتقها حمل تلك الأمانة بنقل هذا الماء الصافي الى الأجيال اللاحقة.

فإن تلوثت فماذا عساها ان تنقل؟ وماذا يبقى من صفاء الماء ونقاءه عندما ننقله بوعاء ملوث الى غيرنا؟

وان تحطمت منظومتنا الفكرية والسلوكية نتيجة ذاك المرض ونحن نعتبر انفسنا مصداقا لقوله تعالى .. كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ .. فماذا يبقى للغد؟

يحق للقارئ ان يسأل قائلا..

لقد اخذتنا بعيدا في كلامك .. فإلى اين تريد ان تصل في بيانك؟

والى اين تريد ان تصل في مقالك؟

                             ***

والجواب في حكايتين.. سأسردهما كما قلت في البداية.. ولكن بلا تعليق..

الأولى ..جلست مساء البارحة في الصحن الحسيني الشريف مع عالم زائر من احدى البلاد الإسلامية، وأخبرني بأنه يمارس نشاطه الفكري والعقائدي والاجتماعي في بلده بأسلوب مؤدب ومؤثر وواضح، وله تأثير في مجتمعه مع من هم من سنخه او من الاخرين..

وعندما سألته عن أوضاعهم في بلادهم والتي تصنف انها واحدة من كبريات البلاد الإسلامية ذي التاريخ الحافل وعن نشاطهم، خاصة وانهم لا يسمحون للعلماء بارتداء الزي الديني خارج المساجد فكان ان حكى لي بعضا مما يحصل معهم ، و من ذلك ما جرى معه حين تم استدعاءه يوما بعد خطبة جمعة تحدث فيها عن الآية القرآنية الكريمة

وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ.

فقيل له انك تقوم بنشاطات سياسية معادية .. فنفى التهمة عن نفسه وقال: انني لا اتدخل بالأمور السياسية فهي ليست من اهتماماتي او واجباتي..

قيل له انك ذكرت تلك الاية وفيها تعريض بالحكومة ..

فأجابهم انا لم اذكر شيئا عن الحكومة وما قمت به هو شرح لهذه الاية.. فإن كنتم ترون أنفسكم ممن يحكم بما انزل الله فليس لكم علاقة بالاية

وان كنتم ترون انها تنطبق عليكم فهذه مشكلتكم انتم مع القرآن الكريم..

                                ***

الثانية ..كنت جالسا في مكان ما...؟  وشاهدت شيئا ما ...؟

فقلت لمضيفي قولا ما ...؟

أجابني بكلام  هز كياني.. وقال لي.. زارنا شخص ما...؟ وانتفض مؤنبا قائلا.

لماذا تقدمون لضيوفكم نتاجا من غير نتاجنا..

قلنا له .. لم ننته مما عندنا.. وعقب جليسي بكلام ما ..

ادركت حينها حجم المرض الذي راح يفتك بنا.. واستشعرت الخطر الكبير..

انها الشخصانية.. انها المرض القاتل.. الذي يدمرنا و يفتك بنا

والتي تجعل الأخ ينظر الى أخيه نظرة ما ... ويتصرف معه تصرفا ما.. 

فماذا يبقى منا ؟ او يبقى لنا...

ماذا نستفيد ان كسبنا العالم وخسرنا انفسنا؟

فهل نعقل أو نعي لهذه الخطورة ؟ أو نكون من الذين لا يعقلون؟

                                      مصطفى مصري العاملي
             كربلاء المقدسة .. في 27 ذي الحجة الحرام 1438 
                                        الموافق 18 ايلول 2017


  • المصدر : http://www.kitabati.net/subject.php?id=537
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 09 / 18
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 09 / 18