• الموقع : كتاباتي- صفحة الشيخ مصطفى مصري العاملي .
        • القسم الرئيسي : كتاباتي .
              • القسم الفرعي : خواطر .
                    • الموضوع : وفي ليلة الاربعين يا شيخ مرتضى.. اخترتَ الرحيل. .

وفي ليلة الاربعين يا شيخ مرتضى.. اخترتَ الرحيل.

وفي ليلة الاربعين يا شيخ مرتضى.. كان الرحيل.
 
قبل أربعين يوما كان آخر لقاء..
وقبل أربعين سنة كان أول لقاء..
ما بين أول لقاء  وآخر لقاء.. كانت هناك حكاية ليست كالحكايات..
إنها حكاية معرفتي بالشيخ مرتضى حسن..
هل اتحدث من البداية ام من النهاية..؟
رن جرس الهاتف عصر أمس ليخبرني المتصل.. بأنه و قبل لحظات انتقل الى رحمة الله تعالى الشيخ مرتضى حسن في ليلة ذكرى اربعين زوجته..
لا اله الا الله .. كانت الكلمة التي سمعتها مني الحاضرون..
وكانت هناك كلمة أخرى أخاطب فيها الشيخ الراحل بصمت قائلا..
هل اخترتَ الرحيل في هذه الليلة؟
قد يستغرب البعض مني هذه الكلمة الصامتة..
ولكن من يعرف الشيخ مرتضى حق المعرفة لا يستغرب كلمتي..
ألم يشتهر في الحديث الشريف .. إن لله عبادا إذا أرادوا أراد..!
نعم .. أعتقد أن الشيخ مرتضى من اولئك الرجال المجهولين..
يعرفه الكثيرون بالابتسامة والطرفة التي يتحف بها من يلقاه..
يتأبى ارتقاء المنابر خلافا لديدن علماء الدين..
يخاطبك بلغة السائل الممازح..
في كل ذاك السلوك كنت أقرأ غيرَ ما يقرأه الاخرون في الشيخ..
يحسبه البعض بسيطاً وما في الراحل من بساطه ..
الم يتحدث امير المؤمنين عليه السلام عن قوم من شيعته قائلا:
هم العارفون بالله ، العاملون بأمر الله ، أهل الفضائل والفواضل ، منطقهم الصواب ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التواضع ، بخعوا لله تعالى بطاعته ، وخضعوا له بعبادته ، فمضوا غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم ، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم ، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت منهم في الرخاء رضى عن الله بالقضاء ، فلولا الآجال التي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين ، شوقا إلى لقاء الله والثواب ، وخوفا من العقاب..
ثم يقول عنهم عليه السلام: 
قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحوائجهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة ومعونتهم في الاسلام عظيمة .
الى أن يقول: 
فهم لأنفسهم متهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ، إن زكي أحدهم خاف مما يقولون ، وقال : أنا أعلم بنفسي من غيري ، وربي أعلم بي ، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني خيرا مما يظنون ، واغفر لي ما لا يعلمون ، فإنك علام الغيوب ، وساتر العيوب .
كنت أرى في الشيخ مرتضى واحدا ممن ينطبق عليه العديد من اوصاف من تحدث عنهم امير المؤمنين عليه السلام.. وأقرأ في كل كلمة من كلماته ولطيفة من لطائفه معنى غير ما يقرأه الاخرون..
قبل أربعين يوما  دخل الى اذني آخر الكلمات التي سمعتها منه عندما ذهبت مع والدي وبعض ابنائي لحضور ثالث زوجته الراحلة  لتستقر في الفؤاد..
لقد وصلنا الى عربصاليم  في بدايات شهر الله تعالى متأخرين بعض الوقت..وكان النادي الحسيني قد فرغ وامتلأ اكثر من مرة.. في وقت صار حضور مثل هذه المناسبات رتيبا ومملا.. 
ولكن مواساة الشيخ مرتضى لها في نفوس عارفيه معنى آخر..
كانت آخر الكلمات التي سمعتها منه ونحن نودعه عبارات الدعاء بعد أن أخبره الواقف بجانبه ( علي جواد حسن) عمن يتقدم لمصافحته..
لقد انعشتني تلك الكلمات التي تفوه بها لأنني أدرك أنها ليست تملقا ولا مجاملة .. 
يكفيني أنها عبارات صادرة عن قلب صادق فيما يدعوا..
***
قبل أربعين سنة وفي ذاك الصيف الحار الذي بقيت فيه مع والدي في النجف الاشرف بعد ان ذهبت والدتي مع اخوتي الى لبنان لتضع مولودا لم تكتب له الحياة..
وفي أحد أيام العطلة الاسبوعية من يومي الخميس او الجمعة .. كنت مع والدي في منزل الشيخ مرتضى حسن في حي الحنانة..
بيوت الحنانة قرب مقام كميل بن زياد صاحب امير المؤمنين عليه السلام كانت في تلك الفترة بيوتا جديدة في طرف مدينة النجف الاشرف لناحية المتجه الى كربلاء..خلافا لما هي عليه اليوم من كونها اقتربت لتكون وسط المدينة.
لم يكن تأهيل شوارعها قد اكتمل بعد..وكانت ميزتها انها وسيعة بعض الشيء نسبة الى بيوت النجف الاشرف القديمة التي كانت مساحة البيت الواحد فيها لا تتجاوز الخمسين مترا الا قليلا..
 وفي كل بيت في هذه البيوت الجديدة ما يصلح لكي يكون حديقة تحيط بالبناء..
كانت حرم الشيخ الراحلة قد حولت تلك المساحة المحيطة بالبيت الى واحة خضراء من نبتة " الملوخية".
الملوخية تلك النبتة الخضراء التي يشتهر بها أهل عربصاليم، والتي تعتبر من افضل أنواع ما يعتمد من الطبخ النباتي.. حتى جرى خلاف مؤخرا بين اليابانيين والمصريين.. حول ادعاء كل منهم انه مصدر هذه النبتة..
فاليابانيون صنعوا منها حبوب أدوية للكثير من الامراض، والمصريون ادعوا انها من الاطعمة التي اشتهرت منذ القدم وغدت سفرة رئيسية حتى زماننا..
كانت الملوخية في النجف الاشرف توزع لمن يرغب بأكلها من اللبنانيين من منزل الشيخ مرتضى حسن..
في تلك الامسية كنت جالسا في الحديقة بالقرب من والدي وهو يتحادث مع الشيخ مرتضى ..
ذهب الشيخ الى داخل المنزل وعاد وراح يقرأ..
رحت أستمع الى فقرات حديثه .. وضحكت..
التفت الي قائلا.. لما تضحك؟
أجبته قائلا: بيروت.. التي لا تغرب عنها الشمس.. سيحل بها ما تقول!!
أجابني بلغة المطمئن قائلا.. إنها سنوات قليلة.. ونرى..
صرت اصغي الى كل كلمة يقولها وهو يقرأ من كتاب او دفتر قديم كان بين يديه.. وهو يتحدث عن أحداث يتوقع حصولها في العقد القادم من السنين..
1- حرب وشيكة بين العرب واليهود يسترجع فيها العرب بعض معنوياتهم المنهارة...
2- دمار وخراب يعم بيروت ودماء كثيرة تسفك وتجري كالانهار..
جوابه الهادئ والمطمئن جعل تلك العبارات ترسخ في ذاكرة الفتى اليافع الذي كان حينها شغوفا بالقراءة حد الهوس..
في كل يوم لا بد من أن أقرأ كتابا.. واذا امسكت بكتاب فلا اتركه حتى اقلب صفحته الاخيرة..
حتى لو نام الاهل فعلى الضوء الخافت اكمل القراءة خلافا لتوجيهات أبي.. بل وحتى على ضوء القمر في ايام الصيف الحارة عندما نبيت على السطح نلتحف السماء رغبة بنسيمات هواء تخفف من قسوة الطقس.. التي لا تصل الى قسوة البشر..
وتذكرت اولاها  عصر السادس من شهر تشرين الاول من عام 1973 ، قبيل الافطار في العاشر من رمضان وانا اتنقل بين اثير الاذاعات التي راحت تنقل اخبار الهجوم المصري السوري على جبهتي سيناء والجولان..
وفي كل يوم يرتفع عدد الطائرات الاسرائيلية المتهاوية  حتى وصل العدد في أحد الايام الى ما يزيد على التسعين وانتظرت في اليوم التالي ان يصل الى المائة يوميا ولكن الامور يومها بدأت تتغير..
تذكرت كلام الشيخ مرتضى حسن.. فقلت في نفسي هذه هي الاولى ، فمتى ستكون الثانية..
في شهر تموز من العام 1975 ونحن نستعد للذهاب الى لبنان مع والدتي واخوتي دون الوالد وأنباء جولات الحرب في بيروت تأخذ ارقاما متسلسلة .. الاولى والثانية .. يخاطبني أحد اصدقاء الوالد قائلا..
لماذا تأخذ والدتك واخوتك الى لبنان الذي استعرت فيه نار الحرب..
اتذكر كلام الشيخ مرتضى واقنع نفسي ان ما سيحصل هو في بيروت واما نحن فسنذهب الى الجنوب.. لأن لجبل عامل في الكلمات التي قرأها  الشيخ معنى آخر..
واندكت اليوم ذكرى الاربعين بذكرى الاربعين..
بعد سويعات سنتجه الى عربصاليم لتشييع الشيخ .. وسأتذكر حتما حديثا قبل سنوات..
شاهدته جالسا على كرسي امام محطة البنزين في وسط البلدة ، فقلت لسائق السيارة الذي كنت معه ، قف وعد بنا لأسلم على ذاك الشيخ الجالس..
كان قد نقل لي البعض كلاما عن لسانه وقد تحقق ...
لن يبق اليهود هنا.. وسيخرجون مهزومين مرعوبين..
وكان كلامه في الوقت الذي امتلأت به التلال والجبال المحيطة بعديدهم وعتادهم.. وتحقق ما تحدث عنه..
أما الان وبعدما رحلوا فقد  وصلني عنه كلام.. أردت ان اسمع حقيقته منه..
سلمت عليه وقلت له ماذا عندك ..
قال .. لا يزال الوقت مبكرا..
فهمَ ما قصدتُ، وفهمتُ ما قصد.. دون ان يعرف السامعون شيئاً..
أدركت ان ما نقل عنه لم يكن دقيقا فها هو يصرح لي بأن الوقت لا يزال مبكرا ولكن اردت ان اسمع منه اكثر..
قلت لماذا؟
قال لي.. انت عبرت بالسيارة فلماذا رجعت الي؟
أجبته .. لأسلم عليك..
قال.. إذن لا نزال في خير.. ولا يزال ذاك الزمن بعيدا.. لأن من العلامات المحتومة عن تلك الفترة أن يفر المرء من اخيه.. ويتفل الاخ في وجه أخيه..
فلطالما أن هناك من يسعى ليسلم على أخيه فنحن في خير..
رحمك الله يا شيخ مرتضى  .. يحق لي أن أسأل..
هل اخترت الرحيل في ليلة الاربعين؟
لن أجد من يجيبني على سؤالي.. الا أنه سيبقى في ذاكرتي..
رحمك الله ايها المجهول.. والى روحك الفاتحة
 

  • المصدر : http://www.kitabati.net/subject.php?id=113
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2010 / 09 / 22
  • تاريخ الطباعة : 2025 / 02 / 3